فهرس الكتاب

الصفحة 5247 من 27364

ثانياً: استطاعت أن تحدد بعض الخطوط الحمراء بوعي ينم عن فهم ما وراءها، فلم تتورط فيما يتعلق بخلافات داخلية بين أفرادها وأعضائها، ولم تتورط في إشعال الخلافات مع المنظمات الجهادية الأخرى، وتجنبت مزالق كثيرة أُريدَ لها أن تقع فيها، بل استطاعت أن تتجنب الدخول في صدام مع السلطة الفلسطينية مع كثرة استفزازاتها لها، وعلى الرغم من ذهاب عدد من أبنائها ضحية لمثل هذه المؤامرات، ومع ذلك تجاوزتها حركة (حماس) بعقلية إدارية فائقة نادرة، كما أن حركة (حماس) بمنهجها الذي رسمته لم تتورط في عمليات خارج فلسطين، على الرغم من الضغط الواقع عليها من داخلها وخارجها للوقوع في هذا الأمر، وهذا من تمام استحضار الهدف وحسن رؤية الواقع، فلم تنزلق إلى ما كانت تفعله بعض المنظمات غير الجهادية كالحركة الشعبية وغيرها من الحركات المشهورة، سواء الشيوعية أو العلمانية؛ إذ أساءت تلك للقضية الفلسطينية إساءة بالغة، وبحمد الله لم تكن تلك المنظمات تحمل الصبغة الإسلامية، ولا الشعار الإسلامي فضلاً عن الجهاد، أما حركة (حماس) فقد وُفّقت توفيقاً كبيراً؛ إذ حصرت عملياتها وجهادها ونشاطها داخل فلسطين، وهذا من باب السياسة الشرعية، وأرى أن هذا الأمر يعتبر دليلاً على وجود قيادة فذة، ونبوغ فريد، ومعرفة بالواقع، وسياسة حكيمة، (...وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً...) [البقرة:269] .

والشاهد مما سبق أنه على الرغم من الظروف التي مرت بها (حماس) ، فإنها استطاعت أن تتجاوز كثيراً من العقبات لست في سبيل بيانها أو تفصيلها، كانت تلك بعضها، وبعضها ظاهر معروف، ولعل ما لا نعلمه كثير.

* أعلنت (حماس) من أول وهلة أن الجهاد طريقها لتحرير فلسطين، كل فلسطين، وعلى رأس ذلك القدس والمسجد الأقصى، وفعلاً مضت في هذا الطريق بأسلوب عملي، وقدمت التضحيات المشهودة والملموسة التي لا ينكرها منصف، ولا شك أن الجهاد هو الطريق الوحيد لعودة فلسطين، وما عداه من الطرق الإدارية أو السياسية ليست إلا رابطاً أو مساعداً أو مكملاً للجهاد بالنفس، الذي هو الأصل. ولا يمكن أن يخرج اليهود من فلسطين إلا أن يُخرجوا، ولن يُخرجوا إلا بالجهاد، بل سيُقتلون -بإذن الله- كما هو نص الأحاديث الصحيحة، كما في حديث ابن عمر المتفق عليه: أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:"تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله". ولا يعني هذا أنه لن تتحقق انتصارات قبل ذلك، فالتاريخ شاهد على وقوع انتصارات عظيمة، ولكن الأمر قد يكون دولاً حتى يأتي الفتح الأكبر بإذن الله، (...أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة:214] ، فإن كان الأمر كذلك فالتاريخ والمستقبل يوضحان أن الطريق الصحيح لتحصيل ذلك هو طريق الجهاد، وما عداه ففروع مساندة ومكملة، وهذا ما ينبغي أن يُتنبّه له، حتى لا يتحول الفرع أصلاً، والأصل فرعاً.

* رفضت (حماس) مساومات اليهود؛ سواء للاعتراف بدويلتهم، أو التنازل بجزء من أرض فلسطين، وهذا موقف تُشكر عليه، مع أنها لو تنازلت لفقدت الأصل الذي من أجله قامت، ولأحرقت أوراقها، ودين الله منصور ولا شك، (...إنّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:128] ، وقد قدمت (حماس) من أجل المحافظة على هذين الأمرين التضحيات الضخمة، وواجهت الصعوبات والعقبات، واستطاعت أن تتجاوزها بتوفيق الله وإعانته.

* في هذه المرحلة التي فازت فيها (حماس) يأتي الامتحان الصعب، ولذلك يخشى المحبون لحماس أن يتحول الأصل إلى فرع، والفرع إلى أصل، والأصل هو الجهاد، وطلب تحرير كل فلسطين، والفرع هو العمل السياسي كالفوز بالانتخابات، أو الإدارة الذاتية، أو نحو ذلك، فيُخشى مع هذا الانتصار أن تأتي ضغوط على (حماس) ، وتشتد المساومات فتبدأ التنازلات التي شاهدناها ورأيناها في بعض بلاد المسلمين، فإنه وإن اختلفت الصورة فالحقيقة واحدة.

والآن يرتقب المسلمون من (حماس) أن تثبت على مبادئها، فلا تتزحزح عن هذين الأصلين: استمرار الجهاد في سبيل الله، وعدم التنازل عن شبر من الأرض المقدسة التي بارك الله حولها ولا ما تاخمها، فهي من أجل ذلك قامت، وقد مضى قياديوها السالفون وهم يقررون أنه لا يملك أحد حق التنازل عن الأرض.

* قد تُدفع (حماس) من أجل أن تحقق بعض الاتفاقيات التي قد تعقدها مع السلطة، أو مع اليهود، إلى خصومات تعوق مسيرتها، وأسأل الله ألا نرى ذلك، وثقتنا في قيادتها، وتاريخها يعزز حسن الظن بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت