فهرس الكتاب

الصفحة 5248 من 27364

غير أن الناظر يخشى أن تُدفع إلى ذلك مع المنظمات الجهادية الأخرى، كحركة الجهاد الإسلامي، أو غيرها، بل هناك من يخشى أن يحدث خلاف داخل (حماس) إذا تمت الاستجابة لدفع من يدفعها، فهناك من سيظل ملتزماً بالأصل الذي قامت من أجله الحركة، فإذا تخلت الحركة عن الجهاد، ولو باسم الهدنة المطلقة التي لا يُدرى مداها، فيُخشى أن تحدث انشقاقات تجنبتها (حماس) فيما مضى من عمرها، فكان من أدلة نجاحها، ومن جملة تفوقها، وأحسب أن الحركة -بإذن الله- واعية لهذا الأمر، فقد استطاعت كما قلت في مقدمة حديثي أن تتفادى التورط في معارك داخلية مع منظمات ليست جهادية، بل مع من آذاها، على كثرة المؤامرات وتنوعها، والموقف اليوم أشد حساسية من ذي قبل.

* يرى كثير من المحبين لحماس أن تقبل تشكيل الحكومة مع الاستمرار على منهجها السابق، فإن حيل بينها وبين ذلك فهذا انتصار لها؛ لأن العالم أجمع سيعلم أنها قد ظُلمت، وأن خيار الشعب قد أُلغي، كما أن ذلك سيزيد من مكانتها في نفوس محبيها الذين انتخبوها. و (حماس) يوم انتُخبت بإرادة الشعب الفلسطيني انتُخبت لمحافظتها على أصولها التي أشرت إليها من الجهاد، وعدم التفريط في شيء من الأرض الفلسطينية، وعدم الاعتراف باليهود.

* الانتصار الحقيقي هو الثبات على المبادئ مهما كانت النتائج، وحسبك أن بعض الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، لم يؤمن معهم أحد، وأصحاب الأخدود ثبتوا على دينهم فحُفرت لهم الأخاديد، وحرقوا بالنار، ولم ينجُ منهم أحد، حتى الذراري والنساء، فضلاً عن أن يقيموا دولة أو دويلة، ومع ذلك كان لهم الانتصار المدوي عبر الأجيال، (...ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) [البروج:11] ، وبعضهم آمن معه رجل واحد، ومع ذلك كتب الله لهم الانتصار كما قال عز وجل: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...) [غافر:51] ، فالأنبياء قد انتصروا مع أن بعضهم قد قُتل، وبعضهم يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، فالانتصار الحقيقي ليس ما زعمته السلطة من حصولها على بضعة أمتار، أو على قطعة من الأرض في بلاد فلسطين، لا تستطيع أن تتصرف فيها، بل لايسع رئيسها الخروج من بقعة منها كما حدث لعرفات في رام الله، سنوات عدة.

وإنما الانتصار الحقيقي هو الثبات على المبادئ التي عُرفت بها، وأعلنها قادتها منذ إنشائها، حتى لو مُنعت، حتى لو أُقصيت، فلن يضرها ذلك أبداً، بل يزيد من مكانتها ومن دعمها ومن حب الناس لها، وهذا هو الانتصار الذي سوف يمهد الطريق للانتصار الآخر الذي هو ثمرة انتصار المبادئ، وإذا انتصرت المبادئ فقد تحقق النصر الأعظم بإذن الله، ثم قد يتبعه انتصار آخر على أرض الواقع، كما قال الله جل وعلا: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ...) [الصف:13] ، فقوله: (وأخرى) مشعر بأن الانتصار الحقيقي هو إقامة الجهاد، والثبات على المبادئ، وإعلان الدين، ثم تأتي من بعد ذلك انتصارات أخرى ظاهرة للعيان، وهي ولا شك من جملة الانتصار.

فمن حافظ على مبادئ هذا الدين، وعلى أصوله فهو المنصور بإذن الله، ومن تخلى فلن يضر إلا نفسه، (...وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد:38] ، (...وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ...) [محمد:4] .

* انتصار (حماس) انتصار للمجاهدين في فلسطين أينما كانوا جماعات وأفراداً، لذا فإن عليهم أن يتجنبوا الدخول في أي صراع أو خلاف مع (حماس) ، وأن يدعموهم بكل ما يستطيعون، وأن يتعاونوا لتحقيق الهدف المنشود، كما تعاونوا من قبل، حتى وإن اختلفت الرؤى الفرعية في بعض المسائل الجزئية، فلا يضرهم ذلك، وإنما يتحمل تبعتها من رآها، وهي مسائل اجتهادية لا يسوغ فيها الإنكار والخصومة ما دام لها وجه في الشرع، وأفتى بها من يوثق بدينه وعلمه، وهو انتصار للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ لذا لا بد من الوقوف مع حماس ودعمها والذب عنها، وإن اختُلف معها في بعض الاجتهادات المشروعة (...وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ...) [الأنفال:46] .

فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نشك في تحقق النصر عاجلاً وآجلاً، بإذن الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت