ما لم يتم استيعاب المتغيرات الجديدة التي طرأت على ظاهرة التطرف في المنطقة والعالم، وما لم تتم مواجهتها بكثير من الحكمة والعقلانية، بعد الفهم العميق للظاهرة، فإن من الممكن ارتكاب أخطاء إضافية تؤدي إلى زيادة حجم المشكلة لا الحدّ منها. فلم يعد ممكناً مواجهة ظواهر التطرف والتشدد والإحباط، بذات الوسائل القديمة التي كان البعض يصرّ على اللجوء، إليها وأثبتت التجربة العملية فشلها.
لا بدّ هنا من التوقف عند نقطتين هامتين:
الأولى: عند العمل على معالجة المشكلة ضرورة التمييز بين التعامل مع التطرف في إطاره الفكري الذي يقتصر على الأفكار والقناعات والتوجهات، وبين التطرف الذي انتقل إلى دائرة الممارسة المادية السلوكية العنفية. فالأساليب المجدية في التعامل مع النوع الأول، لا تجدي بالضرورة في التعامل مع النوع الثاني. وما هو ضروري للتعامل مع الشكل الثاني قد لا يكون ضرورياً للتعامل مع الشكل الأول.
الثانية: جرت العادة على مواجهة ظاهرة التطرف بأحد أسلوبين:
1-الأسلوب الأمني البوليسي: وهو المفضل لدى غالبية الأجهزة الرسمية والمؤسسات الأمنية العربية والإسلامية.
2-الأسلوب السياسي والفكري: عن طريق الاستيعاب، وفتح قنوات الحوار، لإقناع من يحمل فكراً متطرفاً بأن أبواب التأثير والإصلاح بالطرق السلمية بعيداً عن العنف وإراقة الدماء، متيسرة أمامه وليست مغلقة.
ولوحظ أن غالبية الدول التي اقتصرت على التعامل بالأسلوب الأول، لم تنجح بعد سنوات طويلة من المواجهة، في الوصول إلى هدفها بإضعاف التوجهات المتطرفة، وكانت النتيجة مؤلمة للطرفين، للسلطة وللمجموعات المتطرفة، وغالباً ما دفع المجتمع الثمن غالياً من دماء أبنائه ومن اقتصاده واستقراره نتيجة هذه المواجهة العقيمة.
وهنا بعض المقترحات لمواجهة المشكلة:
1-إنهاء حالة التفرد السياسي الذي تمارسه كثير من الحكومات والأنظمة، والتوقف عن سياسة القمع وتكميم الأفواه، والتوجه لفتح أبواب الحريات المسؤولة في كافة الجوانب. وإذا كانت بعض الأطراف الخارجية تتحدث عن الإصلاح السياسي كضرورة تخدم مصالحها، فإن مصلحة الأمة وشعوبها، بل وحتى حكوماتها، أن تباشر عملية إصلاح ذاتية حقيقية، وأن تقنع الجميع بأن إمكانية التغيير والإصلاح بالوسائل السلمية متاحة. وأي تأخير في ذلك يسهم في زيادة حالة الإحباط السائدة.
2-معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وتقليص الفجوة الآخذة بالاتساع بين أغلبية مقهورة ومسحوقة في المجتمعات العربية، وبين أقلية متنفذة تسيطر على الثروات والمقدّرات والمداخيل. لا سيما أن قناعة تسود لدى أوساط شعبية واسعة بأن الفساد واستغلال المناصب والمواقع للإثراء غير المشروع هي التي تقف وراء ما تتمتع به نخبة مهيمنة محدودة من مكتسبات.
3-إعطاء استقلالية حقيقية لمؤسسات التوجيه الديني، والتوقف عن توظيفها كأداة لحشد التأييد لتوجهات السلطة السياسية، كي تكون قادرة على ممارسة دورها بفاعلية في التوعية والتثقف الديني والتصدي لبعض مظاهر الفهم الخاطئ للإسلام.
4-التوقف عن وضع جميع الحركات الإسلامية في كفة واحدة ومناصبتها جميعها العداء بشكل أعمى، ودون وعي أو تمييز، وإدراك أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الحركات الواعية في مواجهة الفهم الخاطئ.
5-الحذر من دعم مظاهر"التطرف العلماني"في مواجهة"التطرف الديني"، فكلا التطرفين نتائجه خطيرة على المجتمعات العربية والإسلامية، وتنامي الواحد يستفز الآخر ويعمل على تفعيله.
6-إنهاء الاحتلال الأمريكي للعراق، وتعامل الأطراف الغربية- لا سيما الولايات المتحدة- بصورة أكثر عدلاً مع الصراع العربي الإسرائيلي، يسهم في التخفيف من حالة الغضب التي تجتاح الشارع العربي وتؤدي إلى إيجاد حالات من التشدد كردة فعل متوقعة لما تتعرض له بعض الدول العربية من انتهاك لسيادتها.
7-وقف التصريحات المعادية للإسلام والمسلمين في الغرب، سواء من قبل بعض وسائل الإعلام، أو بعض النخب السياسية والفكرية والدينية، لأن من شأن هذه التصريحات العدائية أن تستفز غضب العرب والمسلمين، وتولّد مشاعر غضب شديدة.
خلاصة القول: إن التطرف رد فعل على تطرف آخر. فالعنف لا يولّد إلا عنفاً مضاداً، وسرعان ما يتحول الأمر إلى حلقة مفرغة لا نهاية لها. وما لم تتم معالجة الأسباب التي تشكل أرضاً خصبة لانتشار الأفكار المتشددة في العالم العربي الغربي، فإن أي معالجات أمنية ستكون قاصرة عن مواجهة الظاهرة، بل قد تشكّل سبباً إضافياً لتناميها. ومن الأهمية بمكان أن تدرك كل الأطراف الطور الجديد الذي تمرّ به ظاهرة التطرف في ظل المعطيات القائمة.
* رئيس تحرير صحيفة (السبيل) الأردنيّة