وهي تنجم في العادة عن جملة العوامل السابقة؛ فالتوجه للعنف الفكري والسلوكي يكون في العادة ناتجاً عن إحباط سياسي، بسبب اليأس من القدرة على التغيير السياسي والتمتع بالحريات في التعبير والقول والممارسة، ويكون ناتجاً كذلك عن إحباط اجتماعي واقتصادي من إمكانية تحسين الوضع القائم نتيجة اختلالات اجتماعية واقتصادية كبيرة. وربما يكون الإحباط ناجماً كذلك عن الواقع الذي تعيشه الأمة من حيث الضعف والضربات المتلاحقة التي تُوجّه لها دون أن يكون لها حول أو قوة على المواجهة.
عوامل خارجية
1-أحداث 11 سبتمبر وإعلان أمريكا حرباً شاملة ضد الإرهاب، وما تبعها من ممارسات متشددة ضد الأقليات الإسلامية في عدد من المجتمعات الغربية، والنظرة السلبية إلى المنطقة العربية والإسلامية على أنها مصدر الشرّ والإرهاب في العالم، وتولّد قناعة لدى قطاعات شعبية واسعة في العالم العربي والإسلامي بأن الولايات المتحدة تشنّ حرباً عسكرية وسياسية وثقافية ضد الأمة العربية والإسلامية تهدف إلى السيطرة على المنطقة واستغلال ثرواتها وإعادة رسم خريطتها السياسية والجغرافية وفق الرغبات الأمريكية، إضافة إلى الضغوط القوية على الدول العربية والإسلامية لمحاصرة الجمعيات الخيرية وإدخال تغييرات جوهرية على مناهج التعليم. كل ذلك تسبب بردة فعل سالبة لدى الشعوب العربية والإسلامية والقوى السياسية في المنطقة التي بدأت تلجأ إلى التشدد في الدفاع عن الذات.
2-الاحتلال الأمريكي للعراق ساهم بشكل كبير في تأجيج مشاعر العداء والكراهية في العالم العربي ضد الولايات المتحدة وضد كثير من الأطراف الغربية، ووفّر أرضية مناسبة لكثير من الطروحات المتشددة التي لقيت رواجاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والاحتلال الأمريكي الجديد للعراق.
3-بروز مقولات ونظريات الصراع الحضاري والثقافي في الغرب، وترويج أوساط غربية أن الإسلام هو العدو الجديد والخطر الداهم الذي يتهدد الحضارة الغربية، أثار كثيراً من الأوساط العربية والإسلامية ودفعها إلى تبني مقولات مقابلة تقوم على أساس الخوف الثقافي والحضاري. وزاد من حجم المشكلة أن الأمر لم يعد يقتصر على طرح نظريات الصدام والصراع الحضاري بين الحضارة الغربية والحضارة العربية والإسلامية، من قبل مفكرين مثل هنتنغتون وفوكاياما، بل تعداه إلى تصريحات تحريضية صدرت عن سياسيين معروفين كنيكسون وتاتشر والعديد من السياسيين الغربيين خلال الأعوام الأخيرة.
4-تنامي نفوذ المحافظين الجدد، ونجاحهم في الوصول إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وهيمنة البرامج والأجندات الدينية المتشددة لهذا التيار على أفكار وسلوكيات الإدارة الأمريكية، وتشكّل قناعة واسعة في المجتمعات العربية والإسلامية بأن الحرب التي تشنها الإدارة الأمريكية الحالية لمحاربة الإرهاب ما هي في حقيقتها إلا حرب دينية صليبية ضد الإسلام والأمة الإسلامية، وكان له تأثير بالغ في تأجيج مشاعر التشدّد تجاه الولايات المتحدة.
5-تنامي التطرف الديني والسياسي في المجتمع الإسرائيلي، وانسداد الأفق السياسي لفترة طويلة، وزيادة حجم الاعتداءات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في ظل الانتفاضة، وانحياز الولايات المتحدة وغالبية الأطراف الغربية لصالح الجانب الإسرائيلي، وبحثهم عن حجج وذرائع لتبرير جرائمه بحق الشعب الفلسطيني، شكّل عاملاً آخر في تعزيز حالة الاحتقان النفسي لدى كثير من العرب والمسلمين.
6-مبالغة المجتمعات العربية والإسلامية في الخوف من أخطار وانعكاسات العولمة الثقافية والسياسية والاقتصادية التي تم النظر إليها كسلعة غربية يجري تصديرها إلى العالم الإسلامي، وخشية أوساط إسلامية من أن تؤدي عملية الانفتاح وفتح الحدود وإزالة الحواجز السياسية والثقافية في ظل التفوق والهيمنة الغربيتين، إلى اختراق الثقافة والقيم والعادات الغربية للمنطقة على حساب ثقافتها وهويتها الحضارية، مما دفع إلى تنامي بعض دعوات الانغلاق والتشدد وإغلاق الحدود والمنافذ لاتقاء شرور العولمة العابرة للحدود.
هذه العوامل، إضافة إلى الاحتقانات السياسية والثقافية والنفسية التي تمرّ بها المنطقة، وما ينطوي عليه واقع الأمة العربية من كثير من مظاهر الضعف والعجز والتمزق، أدى إلى توفير أجواء مواتية لتنامي نزعات التشدد والتطرف، ولكن بشكل جديد؛ إذ باتت الظاهرة تشمل المجتمعات ولا تقتصر على الأفراد والجماعات والحركات. وهذه -بالتأكيد- حالة أكثر خطورة من حالات التطرف التقليدي التي كانت موجودة سابقاً. ويساهم في تعزيزها توفر مزاج ومناخ عام يمكن أن تترعرع في ظله توجهات التشدد والعنف بأشكالها المتعددة، الفردية والجماعية، وتشدد المجتمعات كرد فعل على الشعور بالاستهداف.
مقترحات للتعامل مع المشكلة