وهذا النمط الجديد هو بالتحديد ما وجدناه بداية في السودان مع تقوية حركة جارانج إزاء الاتفاقات التي عقدتها حكومة السودان مع هذه الحركة بفضل النفوذ الأمريكي والأوروبي تصايحت أصوات في عدة بلدان عربية تتحدث عن مخاوف التقسيم وفصل الجنوب عن الشمال وكانت الحركة المتمردة تنفي ذلك وتؤكد حرصها على وحدة السودان بينما يشكك البعض في هذه التأكيدات ويصفونها بأنها مجرد ألاعيب سياسية ودعائية لإبعاد الأنظار عن هدفها الحقيقي، وهو إقامة دولة مستقلة في جنوب السودان ، ولكن في الحقيقة فإن حديث جارانج وعصابته حول وحدة السودان هو حديث صحيح حقيقي بل وطبيعي من وجهة نظرهم لأن المسألة فيه تتوقف على نوعية السودان الذي يريدونه موحدا، أنه حسب كلامهم وكلام أنصارهم الأجانب والسودانيين وحتى المصريين من المتعاطفين معهم وبالذات من مجموعة الاستراتيجيين إياهم والطائفيين هو سودان علماني في الشمال تنزع منه الهوية الإسلامية والعربية وتقيد حياته وعقيدته الإسلامية وتمنعها، بينما تطلق كل الحرية للهوية المسيحية المزعومة للجنوب وذلك تحت شعار الحرية وحقوق الأقليات ومنع طغيان الأغلبيات .
إن حركة جارانج قد ذاقت طعم القوة بالدعم الدولي الواسع النطاق والمساعدات الهائلة من كل الأنواع ومن كل الجهات ( بما في ذلك إسرائيل ) لم تعد تكتفي بحلم إقامة دولية مستقلة في الجنوب حتى وإن امتلكت هذه الدولة موارد البترول والثروات الطبيعية لكن القوة العسكرية الهائلة التي أعطيت لها مع تدخل دولة خارجية أخرى معها وآخرها إريتريا، ومع إضعاف الطرف الآخر هو الحكومة السودانية الشرعية ومع خيانة بعض الأطراف السودانية الداخلية والعربية كل هذا أعطىالحركة المتمردة الطموح لكي تسير ، ومن موقع القوة والهيمنة والعلو على كامل أراضي السودان بحيث تصبح هي الطرف الأقوى في معادلة كونفدرالية أو فدرالية يتم التوصل إليها ويقيد الطرف الآخر بدعاوى العلمانية أو مساواة الأقليات أو التعددية وما أشبه بعد تفسير هذه الشعارات على النحو الذي يؤدي إلى تكبيل الأغلبيات وهيمنة الأقليات أو بالأصح إلى تكبيل ومنع وحصار الإسلام والعروبة ( باعتبارها الأطراف المعتدية أصلا والمطلوب تقيدها وعقابها ) ومنح الحرية الواسعة للأقليات ( النصرانية فقط وليست الجنوبية كلها التي تضم المسلمين والوثنيين ) باعتبارها هي الضحية التي طالت معاناتها وجاء آوان تعويضها .
تقوية النخب العلمانية
هذا هو ما نعنيه بالتقسيم التوحيدي وهو لن يطبق في السودان وحده بل هناك دول عديدة مرشحة لتطبيقه وهي ليست بعيدة بحال عن السودان ففيها يجرى تشجيع وتكتيل وتقوية الأقليات الدينية أو العرقية أو الثقافية ( العلمانية مثلا ) وتركيز مفاتيح القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في يدها، مع إضعاف الأغلبيات المسلمة بشتى الوسائل وفي كل الاتجاهات والمجالات تحت شعار المرحلة الرئيسة، وهو ضرب التطرف الإسلامى ومعه كوكبة الشعارات المصاحبة مثل العصرنة والعلمنة والتحديث وما شابه ، لكن عملية تقوية الأقليات وإضعاف الأغلبيات المسلمة لا تصل إلى حد الانفصال الفعلي، أي الرسمي المعلن عنه في هيئة دولة وجيش وعلم واسم ومقعد في الأمم المتحدة ... إلخ، بل تظل في إطار الدولة الأهلية القديمة الواحدة ولكن مع فارق جذري وجوهري، وهو إبعاد الأغلبيات الإسلامية عن السيطرة على أجهزة ومؤسسات هذه الدولة ومنح هذه السيطرة للأقلية النخبوية العلمانية المتغربة ( التي لا تزال تحمل أسماء إسلامية تفاديا للإثارة النهائية للجماهير الإسلامية ) والتي تحكم ومعها الأقلية القوية تحت شعارات المساواة والديمقراطية بمفاهيمها المزيفة والمشوهة وليس الحقيقة .
وبهذه الطريقة تصل الأقليات ومعها القوة الاستعمارية الاستكبارية الكبرى المؤيدة لها ( أمريكا ) إلى نفس أهداف الانفصال والتقسيم لكنها تضيف إليها ميزات جديدة وهي أن الأقليات لا تقيم دولة خاصة بها تنعزل فيها وتتغلف فيها على نفسها بحيث تتولد داخلها صراعات وانقسامات وضغوط تضعفها أو بحيث تدخل في حرب قد تفضح مخططات ومصالح الدولة الكبرى المشجعة لها وإنما تكون لها قوة وهيمنة وسيطرة داخل الدولة الواحدة الأصلية على الأغلبية الضعيفة وبذلك يحدث لها أمران أولهما تماسك قوتها الداخلية في وجه العدو الإسلامي والثاني هو توجيه أية قوى داخلية شرسة نحو الهيمنة على الإسلام المحيط بها .
تحكم الأقلية في الأغلبية المسلمة