كذلك فإن هذا الترتيب وهو التقسيم التوحيدي يتجنب إثارة مشاكل تترتب على الانقسام التقليدي كما أنه في الوقت نفسه يضمن وجود الأقليات الدينية القوية داخل الدولة الموحدة لكي تحكمه وتربطه الأغلبيات الإسلامية وتسيطر عليها بالمشاركة مع النخب العلمانية المتدربة التي تحمل أسماء إسلامية .. ذلك لأنه لو انفصلت هذه الأقليات الدينية في دولة خاصة بها فإنه سوف ينشأ رد فعل مضاد داخل الدولة المتبقية ذات الأغلبية المسلمة الصافية يطالب بإقامة حكم إسلامي صريح في مقابل الدولة الدينية الجديدة ، وأمريكا بالطبع لا تريد مثل هذا التطور بل تريد أن تهيمن العلمانية المتغربة على أمور الحكم في البلدان الإسلامية وتريد في الوقت نفسه أن تصل الأقليات الدينية غير المسلمة إلى وضع من الهوية الدينية الخاصة بها والقوة والاستقلالية القائمة على هذه الهوية الدينية ، والحل السحري لتحقيق ذلك هو ذلك التقسيم التوحيدي الجديد الذي يبقي الأقلية رسميا داخل الكيان الموحد القديم لكنها تبقى في موضع القوة المسيطرة أو الفعالة المتمتعة بالهوية الدينية المعلنة تحت دعاوى المساواة بينما لا يسمح هذا الوضع برد فعل إسلامي يطالب بإدارة دولة إسلامية في مقابلة الدولة النصرانية أو الأقلية؛ لأنه ببساطة لا توجد مثل هذه الدولة، وتظل هذه الأغلبية المسلمة في هذا الوضع تحت حكم النخبة العلمانية المتغربة ومعها حكم الأغلبية الدينية وتكبت مشاعرها وهويتها بحجة مراعاة الوحدة الوطنية من ناحية، وبحجة مراعاة متطلبات العلمنة والتحديث من الناحية الأخرى .
إننا عندما نتحدث عن التقسيم وهو أمر حقيقي وواقع كأداة للقوة المتغطرسة لا يجب أن نبصر كلامنا على التقسيم التقليدي الذي أخذ يختفي من على الساحة بل يجب أن نضع في اعتبارنا التقسيم بمعناه الجديد التوحيدي وهو أخطر بكثير على مصالح الأمة الإسلامية ووجودها نفسه من الانقسام التقليدي .*مفكر إسلامي وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة