فهرس الكتاب

الصفحة 5475 من 27364

عبد السلام بلاجي 15/11/1423

إن هذا السؤال مهم ومحفز لأكثر من سبب: فهو تسليم - كما يظهر - بتعدد العلمانيات من جهة، كما أنه من جهة ثانية يبدو وكأنه يتساءل - ضمن تنوع العلمانيات - عن أيها يناسب البلدان الإسلامية، فهل العلمانية عقيدة عالمية ونظام كوني يحتم على كل الناس الالتزام به؟ أم أن العلمانية بتأويلاتها المختلفة تجربة خاصة أفرزتها سيرورة تاريخية معينة؟

لقد ظهرت العلمانية، بمختلف مدارسها، في بيئات نصرانية، فهل كان هذا مجرد صدفة؟ إن النصرانية، تم التبشير بها أول الأمر في فلسطين على يدي نبي الله عيسى عليه السلام، ثم قامت الدولة الرومانية بنقل مركز الكنيسة من فلسطين إلى بيزنطة، وبعد ذلك نقل هذا المركز إلى روما، علما بأن كلا من بيزنطة وروما لم تعرفا نزول أي نبي أو ديانة سماوية، ومع ذلك فقد اكتسبتا قداسة مركزية أضفتها عليهما الكنيسة وعامل. فهل هذا النقل كان تعسفاً؟ أم أنه يرجع إلى إرادة الكنيسة نفسها التي تدعو إلى إعطاء"ما لله لله وما لقيصر لقيصر"؟ وبالتالي قابليتها الذاتية للفصل بين ما هو روحي وما هو دنيوي؟ أم أن الأمر يرجع إلى هذين العاملين معا؟

وبعد انتقال الكنيسة إلى أوربا، واتخاذها من روما مركزاً لها، شهدت علاقة الكنيسة بالسلطة الحاكمة عدة تطورات، بداية من الجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية إلى توازي السلطتين معا، إلى الفصل بينهما في مطلع القرن العشرين بعد كفاح مرير خاضه العلماء والمثقفون في عصور التنوير نظراً لأن المؤسسة الكنسية عرفت عدة ممارسات مستهجنة من قبيل مصادرة حرية التفكير والبحث العلمي، مما أدى إلى إعدام عدد من العلماء والمفكرين، وبيع"صكوك الغفران"أو حجبها عن الناس، وممارسة الدعارة بين الرهبان والراهبات مع دفن الولدان في أقبية الكنائس، أو التحالف مع الإقطاع والوقوف ضد دعوات التحرر والانعتاق...

أما في ربوع الإسلام، فقد كانت هناك تصورات وممارسات ومسارات أخرى مختلفة تماما، فالإسلام ذاته يتشكل من منظومة متماسكة وشاملة لا يمكن فصل مكوناتها: عقائد غيبية، وعبادات منتظمة، وتشريعات تنظم كل جوانب الحياة اليومية، وليس للفقهاء إلا دور اجتهادي واستنباطي لمواكبة مستجدات الحياة، علما بأن دائرة الفقهاء دائرة علمية مفتوحة، وليست مؤسسة دينية منغلقة المنافذ أو هرمية التنظيم، كما أن قبلة المسلمين لم تخضع لأية تنقلات تعسفية من قبل السلطات المتعاقبة في دمشق أو بغداد أو القاهرة أو مراكش أو قرطبة... ولم تكن هناك مؤسسة دينية تعدم العلماء والمثقفين، أو تتوسط بين العباد وربهم، أو ترتكب في دهاليزها فضائح جنسية أو أخلاقية, وحتى إذا وجدت بعض الانحرافات فإنها ترتبط بالسلطة أو بالأشخاص المرتكبين لها وليس بالدين نفسه أو بالأحرى بمؤسسة دينية لا وجود لها أصلا. وحتى في أسوأ الأحوال فإن بعض التأويلات أو الممارسات غير الملائمة قد ارتبطت بتيارات فكرية كالمعتزلة قديما، أو بعض الحركات الإسلامية حديثا. ولهذا السبب لم تجد حتى أكبر الحركات اللادينية راديكالية داخل الأمة الإسلامية مؤسسة دينية محددة تناطحها أو تصارعها، بل إنها تجد نفسها معزولة داخل مجتمعاتها كلما جادلت في قضايا مرتبطة بالدين الإسلامي بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فالأمة إذن هي التي احتضنت الدين، وسهرت على حمايته، فهل يتصور أن يطالب الحاضن أو يطلب منه الانفصال عن محضونه؟! أو يقف صامتاً أمام من يريد انتزاعه منه؟

وإذا عدنا إلى العلمانية ذاتها، وجدنا أن لها مدارس واتجاهات مختلفة نلمسها في مختلف التجارب والتصورات المطروحة، ويمكن على سبيل المثال لا الحصر إيراد التوجهات التالية:

1-العلمانية هي فصل للدين عن الدولة:

باعتبار أن الدين شأن فردي ينظم العلاقة بين الإنسان وخالقه، وأن الدولة مفهوم اجتماعي بشري ينظم علاقة الناس بالدولة، وعلاقة الناس ببعضهم البعض، وهذا التأويل قد ينسجم إلى حد بعيد مع التصور الكنسي نفسه، إلا أن السياسة والممارسات السياسية قد يكون لها اهتمام بالشأن الديني باعتبار جانبه البشري الاجتماعي.

2-العلمانية هي فصل للدين عن السياسة:

إن هذا التوجه أو التأويل أقل تساهلا تجاه الدين من التوجه الأول، فطبقاً لهذا التوجه لا ينبغي أن يكون للدين أي تأثير مهما كان صغيراً في برامج الدولة أو الأحزاب السياسية لا من قريب ولا من بعيد.

3-العلمانية هي فصل الدين عن الحياة:

هذا التوجه أكثر راديكالية ويبرز أكثر ما يبرز لدى بعض"الفرانكفونيين"سواء داخل فرنسا أو خارجها، وهو التوجه الذي أجج المعارك من أجل قضايا دينية شخصية مثل الحجاب، بل واعتبرها تهديدا للعلمانية والديمقراطية مع أنها قضايا فردية بحتة، و هذا التوجه يجعل من العلمانية عقيدة دينية وضعية متطرفة.

4-العلمانية هي القضاء على الدين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت