وعلى كل حال فقد عُرف عن مكيافللي بأنه مكرس لأخلاق القوة هذه الأخلاق التي نادى بها قديماً السوفسطائيون عندما رأوا أن العدالة هي سيادة القوي على الضعيف ، وإذعان الضعيف لهذه السيادة ( ) ، وأن القانون من اختراع الضعفاء للحد من تسلط الأقوياء وأن القوة هي الحق ( ) .
ثم تفاقمت هذه النزعة بعد مكيافللي على يد نيتشه 1844 - 1900 م الفيلسوف الألماني الذي يرغب في القضاء على الملايين من الضعفاء والفقراء لأنه يؤمن بالبطل وبالإنسان الأعلى أو الأرقى الذي يجب أن يستعيض بالقوة عن الأخلاق ، وهو مثل ميكيافللي يعتبر المسيحية هي السبب في ترسيخ أخلاق الرقيق . ( ) ولم تكن نظرية داروين"البقاء للأقوى"إلا خطوة أخرى في هذا الاتجاه .
وأهم ما عُرف عن مكيافللي أيضاً أن الغاية تبرر الوسيلة لذلك يجب على الحاكم أن يكون ماكراً مكر الذئب ، ضارياً ضراوة الأسد ،غادراً غدر الثعلب ، وأن يتعلم كيف يبتعد عن الطيبة والخير ، وأن يرتكب الشر والفظائع أحياناً- ، ويقترف الإساءات ويسير على مبدأ"فرق تسد"، من أجل المحافظة على سلطانه . ( )
ولكن عليه في نفس الوقت أن يُخفي هذه الصفات المرذولة ، ويكون دَعِيّاً ماهراً ومرائياً كبيراً وأن يحسن التظاهر بالأوصاف الحميدة والتدين الشديد . ( )
هذه المبادئ المكيافللية التي كانت تحدياً للكنيسة في إيطاليا كانت تتزامن مع ثورة مارتن لوثر 1483 - 1546م في ألمانيا عام 1518م داخل الكنيسة للإصلاح الديني الذي حدّ كثيراً من تسلط البابوات وأتباعهم ، لقد كانت البروتستانية في البداية احتجاجاً على الغفرانات ثم تطورت إلى الفحص الحر للكتاب المقدس ، والتجربة الشخصية . ( ) وشملت حركته هذه جنيف وفرنسا وهولندا واسكتلندا ( ) .
لقد جعل لوثر الفرد حراً في قراءة الكتاب المقدس وحراً في تفسيره ، وألغى وساطة الكهنة والأسرار المقدسة التي تحتفظ بها الكنيسة ، وجعل الصلة مباشرة بين الله والإنسان الفرد . ( ) وأظهر أنه يمكن الخلاص خارج الكنيسة ، وأنه يمكن تأويل الكتاب المقدس تأويلاً عقلياً ( ) وتحرير الإنسان من أي نظام لاهوتي فوق الطبيعة ( ) . وبذلك يكون لوثر قد قضى بضربة واحدة على ما شاع مئات السنين من أن حياة الرهبنة والأديرة ضرورية لتحقيق السعادة الأبدية ( ) .
ولذلك رحبت الطبقة المتوسطة بالبروتستانتية لأنها رأت فيها منفذاً يتيح لها ممارسة الحياة بصورة حرة ، وممارسة التجارة ، وتحقيق الأرباح ، ومحاصرة للتدين إلى زوايا ضيقة . ( ) وأصبح الكثيرون لا يذكرون الدين إلا يوم الأحد بعد أن يكونوا قضوا أيام الأسبوع منهمكين في الحياة الدنيوية ( ) .
ومما وطد الدعوة اللوثرية ظهور إيرازموس 1466 - 1536م الذي هاجم الكنيسة الكاثوليكية بضراوة ، وسخر من صكوك الغفران ، ودعا إلى عدم الاكتفاء بالحياة الآخرة ، وضرورة الارتقاء بالحياة الدنيا ، وتهكم بالمظاهر الفارغة التي يوليها الأساقفة عنايتهم مثل عدد العُقَد الواجب عملها في الصندل الذي يلبسه الراهب ، ولون ردائه ، ونوع القماش الذي يُصنع منه ، وتفاخرهم بشكليات مضحكة مثل قول أحدهم بأنه قضى على نهمه الجسدي بالاقتصار على أكل السمك فقط ، ودعوى آخر بأن يده لم تلمس النقود طوال ستين سنة إلا من فوق القفاز أو بالإشارة . ( ) ولم يخطر في بال أحدهم أن يحب الناس ، وهي الوصية الجوهرية للمسيح عليه السلام . ( )
لقد امتد أثر الرشديين إلى هيجل 1770 - 1831م - فيما بعد - فأكد أن المسيحية وغيرها من الأديان ليست إلا طرقاً مجازية للتعبير عن الحقيقة الفلسفية الفريدة ولا شيء غير ذلك ، والدين في كل المستويات ميتافيزيقا ظاهرية معلنة لجمهور الناس الذين لا يستطيعون فهم التصورات الفلسفية المجردة ، وإنما يحتاجون إلى مضمون الفلسفة في صور سائغة ( ) ، وعبر عن ذلك في كتابه فلسفة الدين ( ) .
ولكن علينا أن نتذكر هنا أننا أشرنا إلى مثل هذا الكلام لابن رشد سابقاً وقلنا أنه ليس تعبيراً عن الحقيقة المزدوجة ، ولا يراد به أن هناك حقيقتين وإنما حقيقة واحدة تختلف الطرق في الوصول إليها ، والقصد هنا إيضاح امتداد الأثر الرشدي إلى قرون لاحقة .
في هذه المرحلة كان كوبرنيقوس 1473 - 1543م متردداً في طرح نظريته الجديدة لأنها تهدم الفلك الأرسطي والنظرة المدرسية للكون ، والتي تتبناها الكنيسة لأنه كان يعلم كم سيتعرض للازدراء إذا أذاع نظريته ، وقد فكر أن يلغيها أو يبوح بها سراً لأقاربه وأصدقائه كما كان يفعل الفيثاغوريون ( ) . ولكنه سلك طريقاً آخر فقام بإهداء كتابه للبابا ، وبدأ يتكلم بنظريته ولكن ليس على مستوى عام ، ويعرضها على بعض الأفراد ، فلم يتعرض لأي مضايقة في حال حياته ، ربما لأن الكنيسة لم تدرك ما في النظرية من مخاطر تهدد تعاليمها ، وربما لأنها كانت أكثر ليبرالية في ذلك الوقت قبل مجلس الترنت الذي مارس بعده الجزويت الاضطهاد واستعادت محاكم التفتيش نشاطها ( ) .