تقوم النظرية على قلب الفلك القديم فبدلاً من النظرة التي كانت سائدة والتي تعتبر الأرض - مهد المسيح - هي مركز الكون وهو ما تتبناه الكنيسة ، أصبحت النظرة الجديدة تعني أن الشمس هي المركز والأرض ليست إلا كوكباً من الكواكب التي تدور حول الشمس وهو ما ترفضه الكاثوليكية لأن فيه انتقاصاً من مهد المسيح وتهويناً لشأنه وهو ما يعتبر هرطقة تستحق الموت ( ) .
لقد أنزل إذن كوبرنيقوس الإنسان من مركزيته الكونية التي خصه بها اللاهوت المسيحي ( ) ، وكانت هذه النظرية أول اقتحام جدي للعلم عندما نشرت سنة 1543م ، ولكنها لم تصبح ذات نفوذ إلا في القرن السابع عشر عندما تولاها كبلر وغاليلو وأصلحاها ، ثم بدأ العراك بين العلم والعقائد الجامدة ، وهو العراك الذي أدار فيه المحافظون معركة خاسرة ضد المعرفة الجديدة ( ) . ورغم إيمان كوبرنيقوس المخلص فقد كان لنظريته أثر مدمر على اللاهوت المسيحي ( ) وشكلت صدمة قوية للكنيسة مهدت لانفصال العلم عن الدين في الغرب وذلك بسبب التصادم الشديد الحاصل بين النظريات العلمية المطروحة ونصوص الكتاب المقدس ( ) . ولذلك رفض كل من مارتن لوثر 1483 - 1546 م وكالفن 1509 - 1564 م هذه النظرية، واعتبر لوثر أن كوبرنيقوس منجم مدع ، لأن الشمس والقمر هي التي يجب أن تدور ، ويسوع أمر الشمس أن تظل كما هي لا الأرض ، وكذلك رفضها كالفن فقال:""العالم ثابت لا يمكن تحريكه ، من يجرؤ على أن يضع سلطة كوبر نيقوس فوق سلطة الروح القدس ؟"" ( ) .
وهكذا بدأت الكنيسة تفقد هيبتها من النفوس ، وبدأ البساط يسحب من تحت أقدام القائمين عليها ..
المحرقة الكنسية:
أشرنا إلى أن نظرية كوبرنيقوس نشرت سنة 1543 م وهو العام الذي توفي فيه كوبرنيقوس ، وبعد خمس سنوات من هذا التاريخ ولد جيوردانو برونو 1548 - 1600 م الذي تبنى الفلك الكوبرنيقي وأثار ضجة قوية عندما بدأ يجاهر به في كل مكان ( ) ، وذلك لتعزيز نظريته في الكون اللامتناهي ، هذه النظرية التي تحل برأيه محل المسيحية بوصفها السبيل الأوحد للخلاص والسعادة ، لأنها تحرر قلبه من الخوف السخيف من الموت والمحن الأرضية ( ) ، ورفض التسليم بالوحي على أنه حقيقة سواء على صورته الكاثوليكية أو البروتستانتية ، كما رفض أن
ينظر إلى الأخلاق المسيحية على أنها سبيلاً للسعادة الإنسانية ( ) ، وقال بأن الله عز وجل هو روح الكون ( ) ، وأن الله والطبيعة الجوهرية شيء واحد ، والتجلي الوحيد المسموح به لهذا الإله هو التجلي الطبيعي وليس لله [ عز وجل ] علو واقعي جوهري على الطبيعة المحسوسة ( ) . إنه بذلك يعبر عن وحدة الوجود ، ويمهد لسبينوزا ( ) .
لم يكتف برونو بذلك بل أنكر التثليث والأقانيم والتجسد والتحول ، واعتبر المسيح دجالاً مخادعاً ساحراً ، فقُبض عليه وسُلِّم للسلطة المدنية لتتولى إنزال العقاب به على أن تتجنب سفك الدماء ، وهو ما يعني قراراً بإعدامه حرقاً ، وعندما قُدِّم لتنفيذ الحكم قبل حرقه مباشرة عُرِضت عليه صورة المسيح على الصليب فرفضها بوجوم تام وأشاح عنها بوجهه ( ) .
لم يكن جيوردانو برونو أول من يعدم حرقاً ، فقد أعدم حرقاً قبله جيو فروي فاليه أحد نبلاء فرنسا بتهمة الإلحاد مع أنه في الواقع لم يكن ملحداً بل كان يقر بالألوهية ، ولكنه كان يناصب الأديان العداء لأنها بنظره تبث الهلع في النفس البشرية ، ويرفض اعتبار المسيح قدوة ونموذجاً يُحتذى به ، فأعدم حرقاً سنة 1574 م ( ) .
وفي سنة 1587م أعدم بومبو نيو راستيكو في روما لأنه ذهب إلى أن الحكايات الواردة في الكتاب المقدس لا تستحق غير الاستخفاف والاستهزاء ( ) .
كان هذان الشخصان قبل برونو ، وقد أُعدم بعده عدد من المفكرين ففي عهد الملك جيمس الأول 1566 - 1625 م أُحرق شخصان من المارقين على الكنيسة الكاثوليكية هما بارثو لوميو ليجات ، وإدوارد وايتمان ، أعدم الأول حرقاً سنة 1612م لأنه أنكر ألوهية المسيح
واعتبره مجرد إنسان ، ولم يمض شهر واحد في نفس العام حتى أحرق الثاني ، لأنه تشكك في التثليث ، ونفى أن يكون الله [ عز وجل ] ثلاثة أقانيم ، ورفض قدسية العشاء الأخير ، وأنكر تعميد الأطفال ( ) .
ثم خرج جوليو سيزار فانيني 1585 - 1619م على الناس بهرطقاته الإلحادية فهو ينفي وجود الله لكي لا ينسب إليه الشر: ويقول:""كيف يمكن لإله غير مادي أن يخلق عالماً مادياً ؟ وينتهي إلى أن العبادة الحقة ليست عبادة الله بل عبادة الطبيعة ، ويؤمن بخلود المادة ، ويرى أن الحياة خرجت من الحرارة والعفونة ، وأن الأديان من اختراع الحكام والكهان لاستذلال العباد . قُبض عليه وأعدم حرقاً في مدينة تولوز وهو لا يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره ( ) .
وفي فرنسا أُعدم قسيس اسمه فيرانت بالافيسينو سنة 1644 م لأنه يعتبر الكنيسة تحتكر المعرفة ، وتعمل على تجهيل الناس لكي لا يدركوا الحقيقة ، كما رأى أن الإباحية الجنسية شيء طبيعي ( ) .