وفي اسكتلندا أنكر جون الاسكتلندي التثليث وألوهية المسيح وسخر بالأديان ، وتجرأ على الذات الإلهية فقيل له ذات يوم: ألا تذهب إلى الكنيسة ؟ فقال: ليذهب الله [ جل شأنه ] إلى حبل المشنقة . قُبض عليه وأُدين سنة 1651 م فذهب هو إلى حبل المشنقة ( ) .
هذه الإعدامات المتعددة في أنحاء أوربا للمفكرين هي نماذج ذكرناها فقط لبيان أن واقع الكنيسة كان يفرض على المجتمع والأمة أن تتكاتف وتتخلص من منابع الاستبداد والقهر والاضطهاد التي تعتمد عليها الكنيسة ولم يكن ذلك إلا في"الدين"وهو ما بدأ الغرب يسعى للتخلص منه وإلا فإن القتل كان بأعداد هائلة فقد قدر لورنتي سكرتير التفتيش في إسبانيا عدد الضحايا فيها الذين تم إحراقهم من سنة 1790 م إلى 1792 م بنحو ثلاثين ألف شخص ( ) ، هذه الوحشية الكنسية خلقت لدى الناس نوعاً من التشاؤم والكراهية للكنيسة ، بل للأديان جميعا ، كما أثار تعاطف الناس مع هؤلاء الذين يعدمون في سبيل أفكارهم ، وكان هذا يزيد من أعداد القراء لأفكار هؤلاء وإعجابهم بها ، ويجتذب ضمائر الجماهير ضد الكنيسة . وإذا علمنا أن حال الكنيسة أصلاً كان في غاية الانحلال والتردي فإننا نضيف عاملاً آخر من عوامل انتشار الفكر العلماني وترسيخه ، فقد أصبح فساد البابوات والرهبان شائعاً إلى درجة خطيرة ( ) . فالفساد أصبح هو القاعدة ، والصلاح استثناء ، فالغدر والخيانة وارتكاب الآثام لم يكن ينفصل عنهم ( ) إلى درجة أن الكرادلة في إيطاليا كانوا حين يدعون إلى الغذاء بمناسبة تتويج أحد البابوات يحضرون معهم غداءهم الخاص وسقاتهم خوفاً من السم ( ) .
هذا الفساد الكنسي بالإضافة إلى ممارسة التسلط والقهر والقتل والإحراق كان كافيا لإلغاء مصدر سلطتهم وتسلطهم ، ولم يكن هذا المصدر الذي يفعلون باسمه كل الموبقات إلا"إلاههم"لقد كان أفضل عقاب لرجال الكنيسة أن يُلغى"إلاههم"الذي يرتكبون باسمه وتفويضه - حسب زعمهم - كل الموبقات والشرور والآثام ، وعندئذ لن يبقى لهم مبرر يتقبلون باسمه الصدقات والتبرعات وسيضطرون للعودة إلى مجاديفهم . ( )
لقد ألغى الغرب"الإله"ليس لأنه يكرهه ، ولكن لكي يلغي الكنيسة لأنها أصبحت مكروهة من كل الناس ، بل إن الغرب قتل"الإله"وأماته على يد نيتشة لكي تنتهي وتموت الكنيسة .
ومن هنا بدأ التيار المضاد للكنيسة يقوى ويتسع ولم يعد بإمكان الكنيسة أن تحرق كل المهرطقين والمجدفين على كثرة ما قتلت وأحرقت وعذبت ، لأن زمام الأمور بدأ يفلت من يدها ، والبساط أخذ يسحب من تحتها .
فقد عبر ميشيل دي مونتاني 1533 - 1592م وبيير شارون 1541 - 1603م عن شكوكهما وشكلا مذهباً شكياً على غرار المذهب الشكي اليوناني الذي تزعمه بيرون ( ) ، فتبنى الأول الفلسفة الإيطالية التي تتلمذت على شروحات ابن رشد ، فذهب إلى أن الفلسفة البحتة والعقل المجرد لا يمكنه أن يدافع عن خلق حر ، أو عناية إلهية ، أو خلود شخصي ، وعلى هذه النظريات أن تنسحب أمام البراهين الفلسفية الصلبة التي تؤيد أبدية المادة ، وحتمية القوانين الطبيعية للحركة ، وفناء الروح ، وكل ما تستطيع الفلسفة أن تؤكده هو أن الله عز وجل ليس خالقاً حراً ، بل صانعاً للعلم بالضرورة ، ومُلزَمٌ على أن تتماشى أفعاله مع قوانين الطبيعة ، وبذلك تصبح المعجزات مظهراً من مظاهر الجهل الإنساني بقوى الطبيعة ( ) .وأعلن عن عجز العلم والعقل عن توفير اليقين، وقال""بأن أكثر الناس علماً ليعلمون أننا لا نعلم شيئاً"" ( ) . وهنا نتذكر سقراط الذي قال:""أنا لا أعرف إلا شيئاً واحداً هو أنني لا أعرف شيئاً"" ( ) .
وأما الثاني فقد كتب كتاباً"عن الحكمة"قيل عنه بأنه لا يمكن لأحد أن يقرأه دون أن تتعرض عقيدته الكاثوليكية للاهتزاز ( ) وقد أصدر البابا سنة 1605م قراراً بتحريم الكتاب ، مما زاد في شيوعه وانتشاره ، فطُبع مختصراً ما بين 1606 - 1645 م اثنتي عشرة مرة ( ) .
ويرى شارون أن الشك ليس تعاسة وشقاء كما يُظن بل هو سعادة الحكماء وملاذهم ، وأن الإنسان العاقل هو الذي ينتهي إلى نسبية الأخلاق والأديان . ويصف الدين بأنه مجرد خزعبلات تنتشر بين الناس بسبب التقليد الأعمى ، الذين يستولي على الحمقى ولأن عدد هؤلاء أكثر من عدد العقلاء فإن الأديان تظل شائعة بين الناس ( ) .
ونلفت النظر هنا إلى أنه رغم هرطقاته هذه فهو لا يريد القضاء على النصرانية ، بل يدعو إلى تنصير العالم - قد يكون ذلك بدوافع سياسية استعمارية - وأفضل وسيلة بنظره لتنصير العالم هي إشاعة مذهب الشك بين الناس ، فعلى المبشر أن يمسك الكتاب المقدس بيد ، وسكستوس امبيريقوس ( ) باليد الأخرى ( ) .
وهذا ما يمارسه المنصرون اليوم على أرض الواقع فهم لا يهمهم أن يدخل المسلم في النصرانية بقدر ما يهمهم أن يترك دينه ، ويتجرد من إيمانه .. ما أشد براءة المسيح عليه السلام من هذه الأخلاقيات الذئبية !!