فهرس الكتاب

الصفحة 5617 من 27364

أما الشعب فيعمل ويتعايش مع بعضه البعض على أساس المواطنة التي تكفل مساواة الحقوق واختلاف في الواجبات نسبياً بين أفراد الشعب رجالا ونساء كبارا وصغارا عاقلا أو مجنونا لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى عند الله أما عند البشر فحقهم مكفول في العمل والدين - الذي ليس من مكونات الدولة- والمذهب والفكر والثقافة واللغة...الخ بما نص عليه الدستور الإلهي والوضعي المفقود في عالمنا الإسلامي والمتواجد في بلاد من ينعتم بعض المسلمين بالكفار، أما الدستور فهو ما يختاره الناس طوعا مسلمهم و مسيحيهم ويهوديهم ...الخ إما من أصل ديني يتفقون عليه أو من أصل عقلي وكلا الأمرين أمرهما ومردهما إلى الله ولكن الخيار يكون للشعب الذي سيسأل يوما عما أختار وفعل، فمن غير المعقول أن يسمح الله تعالى للإنسان بالخيار في الدخول في الإيمان أو الكفر دون أن يعطيه الخيار في قبول النظام الذي يعيش فيه والدستور الذي يطبق عليه، فإذا رفض الإسلام بالخيار فكيف يطبق أحكامه عليه؟ إذا ما الدين إلا دين دون دولة، وبهذا المنهج الإسلامي البسيط يضمن الجميع حقهم في التشريع المدني بعيدا عن إملاءات القياصرة والأكاسرة والسلاطين والباباوات المعممة التي تستخدم الأحكام القرآنية أو الإنجيلية أو التوراتية في تيسير أمورها فرد سلطتها على الناس باسم الدين.

أما الحكومة المنتخبة فهي لا تتعدي كونها مجلس إدارة يدير مصالح الشعب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بما تمليه عليهم وعودهم ومشروعاتهم التي قدموها للناخب أثناء حملتهم الانتخابية، مع حراسة الدستور وعدم انتهاكه للبديهيات من الأمور مثل العدالة والحرية والمساواة من جانب الحكومة. أما أن تحاول الحكومة أن تسيطر على مكونات الدولة باسم الدين (الجهاد) بأن تسعى لتوسيع حدودها على حساب حدود الدول الأخرى أو أن تحجر على الشعب حرية الفكر والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية وحرية الكلمة والصحافة الحرة والعدالة الاجتماعية بجميع أنواعها والمساواة في توزيع الثروة بين المواطنين لا لحساب الطبقات والأسماء والقبائل والأقارب كما هو الحال في وطننا العربي والإسلامي، أو أن تفرض دستور بعينه يخالف رأي الأكثرية باسم الدين المسيس بالعقيدة أو المذهب أو الطائفة أو العائلة أو أن يعطل الدستور القائم باسم الشعب بدعوى الحفاظ على الدولة وهو ما يعرف بقانون الطوارئ أو الأحكام العرفية، فما هذا إلا الظلم بعينه للشعب بأسره، أو أن يسخر نواة المجتمع الدفاعي للهجوم على الشعب ومقدرات الأمة بأسباب لا يقبلها إلا من خاف على نفسه وولده من سطوت رجال القبضة الحديدية والدين الموالين للحكومة أو بالأحرى الحكومة نفسها، فكل هذا لا يصح أن نقبله باسم الدين، إذ الدين خلافه بالكلية وسنفصل المقال في هذا لاحقا.

إن فلسفة العلمانية تتجسد في حماية ما يختاره الناس في التحاكم إليه بغض النظر عن محتويات ومصدر هذا التحاكم أهو ديني أم وضعي، بعيدا عن الخداع بما روج له من أفيون الشعوب واللعب بمشاعرهم وعواطفهم الدينية خدمة لسياستهم السلطوية الاستبدادية.

الأستاذ المعارض ....

مشكلتكم أنكم أنتم معشر العلمانيين تنظرون إلى الآخرين بمرآة مصغِّرة فترون الآخرين دائماً صغاراً ولذلك لن تتعلموا لأن المتكبر لا يمكن أن يتعلم ... أنتم تعتبرون أنفسكم النخبة المثقفة والمدللة والآخرون هم المتخلفون والظلاميون وووو الإرهابيون وووو وإذا كنت تعتقد أن المسلمين يقفون عند حد هذا التعريف بالعلمانية الذي ذكرته // فصل الدين عن الدولة أو السياسة /// فأنت واهم ويجب إذن أن تتواضع وتقرأ للباحثين المسلمين المعاصرين وتنظيراتهم الجديدة للعلمانية ...

ومن هنا فإن ما ذكرته أو ما اقتبسته أو ما نقلته أنت من تعريف للعلمانية وبدأت تبني عليه سينهد مباشرة إذا ما علمت أن العلمانية في المنظور الإسلامي لا تقف عند هذا الحد ... بل هي أوسع وأشمل من ذلك بكثير وذلك باعترافات العلمانيين أنفسهم ....

عندما عزمت على دراسة ظاهرة العلمانية كان التعريف القابع في ذهني هو التعريف الشائع لها وهو"فصل الدين عن الدولة"ولما قرأت قليلاً ورأيت من يطرح تعريفاً جديداً هو"فصل الدين عن الحياة" ( ) ملت إليه وقلت هو هذا ..!!

ومع طول المعايشة والمعاشرة للخطاب العلماني رأيت أن القضية أكبر من كونها قضية فصل ، وإنما هي في كثير من الأحيان أقرب إلى الجحود والنكران للأديان وقيمها ، فضعفت قناعتي بهذا التعريف ، وهذا لا يعني أن التعريف قد فقد قيمته عندي ، وإنما يعني أنه قاصر عن الحد الكامل ، وإن كان يغطي مرحلة من مراحل العلمانية أو حيِّزاً من رقعتها الشاسعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت