فكل ما في الأمر هو أنه على دعاة الحل الإسلامي الذين تتملكهم رغبة حقيقية في الإصلاح، يريدون أن يتخلصوا من ضعف البشر وتخبطهم بالالتجاء إلى حكم إلهي .... فقط هذا كل ما في الامر تخليص النفس من الأهواء .... وليس أدل على ذلك من عصر عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وكلما ذكرنا لملحد من دعاة العلمانية عصر عمر ابن الخطاب فإنه يقول لنا إن عمر بن الخطاب شخصية فذة فريدة، ظهرت مرة واحدة، ولن تتكرر؟! وإذا كانت تجارب القرون العديدة، وكذلك تجارب العصر الحاضر، قد أخفقت كلها في الإتيان بحاكم يداني عمر بن الخطاب، فلماذا يداعبون أتباعهم بالأمل المستحيل في عودة عصر عمر بن الخطاب؟!
إن هذا القول ينطوي على أغلاط أو مغالطات:-
أول هذه الأغلاط أو المغالطات، هو اختزال عهد الراشدين كله إلى عهد عمر وحده، متجاهلين عهد أبي بكر (رضي الله عنه) ، وما فيه من إنجازات هائلة، رغم قصره، حتى قال د. محمد حسين هيكل، في كتابه"الصديق أبو بكر": أليست هذه بعض معجزات التاريخ؟! في سنتين وثلاثة أشهر، تطمئن أمم ثائرة، وتصبح أمة متحدة قوية، مرهوبة الكلمة، عزيزة الجانب، حتى لتغزو الامبراطوريتين العظيمتين، اللتين تحكمان العالم، وتوجهان حضارته، لتنهض بعبء الحضارة في العالم قرونا بعد ذلك.ومتجاهلين ـ كذلك ـ السنوات الأولى في عهد عثمان (رضي الله عنه) وما حققت من رخاء ورفاهية في الداخل، وفتوحات وانتصارات في الخارج، كما يشهد بذلك التاريخ.
والغلط الثاني أو المغالطة الثانية، هي الإدعاء بأن عمر كان فلتة لا تتكرر، فهو قول يكذبه الواقع التاريخي، فقد رأينا النموذج العمري بتكرر في صور مختلفة، وفي عصور مختلفة.
رأيناه في سميه عمر بن عبد العزيز، الذي أقام العدل، وأحيا ما مات من سننه، ورد المظالم، ومكن لدين الله في الأرض، وأعاد الحكم إلى نهج الخلافة الراشدة، حتى سماه المسلمون"خامس الراشدين". ورغم قصر مدته، استطاع أن يبث الأمن والرخاء والاستقرار في أنحاء دار الإسلام، حتى روى البيهقي في الدلائل عن عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال:"إنما ولى عمر بن عبد العزيز ثلاثين شهرا، لا والله، ما مات، حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا، حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذاكر من يضعه فيه، فلا يجده، فأغنى الناس عمر".
رأيناه ـ بعد ذلك ـ في مثل نور الدين محمود الشهيد، الذي كانوا يشبهونه بالراشدين في سيرته، وعدله، وجهاده للغزاة الصليبيين، وتصميمه على تطهير المجتمع من الظلم والفساد.
رأيناه في مثل صلاح الدين الأيوبي، الذي شهد له خصومه قبل أنصاره، شهد له الصليبيون الغربيون، الذين حاربهم وحاربوه، كما شهد له المسلمون.
وهارون الرشيد كان يحج عاما ويجاهد عاما ... هذا هو تاريخنا وهذا هو شرفنا وهذه هي دولتنا الإسلامية عندما قامت شاهدة عليكم
فأين هي الدولة العلمانية دولة كبت الحريات والإرغام على اعتناق فكرها والحرب من أجلها أين الحرية يا دعاة الحرية الزائفة ..
وفد نصراني بين يدي السلطان العثماني يطلب منه أن ياتي ليفتح بلاده .. سبحان الله العظيم
فتح السلطان العثماني مراد الثاني مدينة سلانيك عام 1431 م وهزم البندقيين شر هزيمة ودخل المدينة منتصراً- أعلم الحاجب السلطان أن وفداً من مدينة (يانيا) قد حضر، وهم يرجون المثول بين يديه لأمر هام... تعجب السلطان من هذا الخبر، إذ لم تكن له أي علاقة بهذه المدينة التي كانت آنذاك تحت حكم إيطاليا.
أمر السلطان مراد رئيس حجّابه بالسماح للوفد بالدخول عليه، ثم قال لرئيس الوفد بواسطة الترجمان: أهلاً بكم، ماذا أتى بكم إلى هنا؟ وماذا تبغون؟ قال رئيس الوفد: أيها السلطان العظيم، جئنا نلتمس منكم العون، فلا تخيب رجاءنا .
-وكيف أستطيع معاونتكم؟ - يا مولاي، إن أمراءنا يظلموننا، ويستخدموننا كالعبيد، ويغتصبون أموالنا ثم يسوقوننا للحرب.
-وماذا أستطيع أن أفعل لكم؟ إن هذه مشكلة بينكم وبين أمرائكم.
-نحن أيها السلطان لسنا بمسلمين، بل نحن نصارى، ولكننا سمعنا كثيراً عن عدالة المسلمين، وأنهم لا يظلمون الرعية، ولا يكرهون أحداً على اعتناق دينهم، وإن لكل ذي حق حقه لديهم... لقد سمعنا هذا من السيّاح، ومن التجّار الذين زاروا مملكتكم، لذا فإننا نرجو أن تشملنا برعايتكم وبعطفكم، وأن تحكموا بلدنا لتخلصونا من حكامنا الظالمين. ثم قدّموا له مفتاح المدينة الذهبي... واستجاب السلطان لرجاء أهل مدينة (يانيا) ، وأرسل أحد قواده على رأس جيش إلى هذه المدينة، وتم فتحها فعلاً في السنة نفسها، أي في سنة 1431 م.
هذه القصة تصور الرؤية النقية للإسلام وللحكم الإسلامي