فهرس الكتاب

الصفحة 5686 من 27364

وبذلك تحول مصطلح الأصولية - والذي هو في أصله يعني العودة إلى الأصول الصحيحة والصافية التي تُشكِّل المعين الذي لا ينضب للفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية - تحوّل نتيجة للتكرار المُغرض المدروس إلى مصطلح مُشوّه لا يمت إلى معناه الحقيقي بصلة .

الثاني: إن كلمة أصولية عُرِّيت كثيراً من قبل علماء الإسلام وأدرك المسلمون ما تعنيه هذه الكلمة في وسائل الإعلام الغربية ، وما يراد لها أن تتضمنه من إيماءات ، فتعاملوا معها بحذر وتَوجُّس ، هذا بالإضافة إلى الابتذال الشديد الذي لحق الكلمة لكثرة ما تتردد مقترنة بتوظيفات فكرانية أجهضت فاعليتها السلبية التي أُريدت لها وكادت أن تُعدِمَها ، مما دفع تلاميذ الغرب والاستشراق إلى محاولة تجديد الكلمة بإضافة هذه الـ"ويّة"إليها لتعطيها دفعاً جديداً ، ومغزىً تنفيرياً أكبر ، وأكثر فاعلية في حجب الناس عن الرؤية الإيجابية للأصولية ، ولا سيما أن الإضافة الجديدة للكلمة تجعلها على وزن ونمط كلمة أخرى ينفر منها كل الناس ، وتتبادر إلى أذهانهم بمجرد ذكر الأصولوية أو حتى الأصولية ، وهذه الكلمة هي"دموي"و"دموية"وإسهام وسائل الإعلام الغربية في عقد صلة سفاحية بين إراقة الدماء البريئة ، وبين الأصولية أو الأصولوية الإسلامية ، وهذه"الدموية"هي التي دفعت المستشرقين إلى التفرقة بين مسلم وإسلاموي فالأولى Islamique ذات إيحاء إيجابي حيادي ، والثانية Islamiciste ذات إيحاء سلبي دموي متطرف ، ولحق بهم كلٌّ من أركون وتيزيني وأمثالهم في اشتقاق مصطلحاتهم على هذا النمط لكي تمثل الغلو ، والإفراط ، والعنف والقمع.

سؤال:

ما الفرق بين اللائكية والعلمانوية إذا كانتا معاً - كما رأينا - تمثلان الجانب المتطرف في العلمانية ؟

العلمانوية تمثل التطرف على مستوى الفكر والتنظير ، أما اللائكية فتمثل التطرف حين الممارسة والتطبيق ، فالأولى متطرفة فكرياً ، وأما الثانية فمتطرفة سلوكياً وعملياً . والله أعلم .

سؤال:

من خلال تمحُك مصطلحات العلمانيين، هل هناك علمانية معتدلة وأخرى متطرفة ؟

قد تكون فالأولى مثلاً: التي تتبناها دول أوربا الغربية وأمريكا ومن يطلق عليهم"العالم الحر"ويُفترَض فيها أن تتبنى الحريات وحقوق الإنسان بصفة عامة ، ومنها الحرية الدينية ، وحق الإنسان في الالتزام بدينه .

والثانية: هي العلمانية الماركسية التي تتبناها روسيا الشيوعية ، فهذه لا تقف موقفاً محايداً من الدين ، بل هي تطارده داخل جدران المساجد والكنائس ، وتعتبره عدواً لها ، وتسعى للقضاء عليه نهائياً .

الواقع - كما يقرر الدكتور القرضاوي - أن العلمانية لا يمكن أن تكون محايدة من الدين، لأن عزل الدين عن حياة المجتمع أو تفريغ حياته من الدين ليس موقفاً حيادياً ، إنه موقف ضد الدين ، إنه يقوم على اتهام الدين بأنه ضرر بالحياة وخطر عليها ، فيجب إبعاده عن توجيه الحياة والتأثير فيها ، ويجب أن تُبنى الحياة في تشريعها وثقافتها على غير الدين ، وهذا الموقف لا يمكن أن يُعتَبر حيادياً ، لأنه تجريم للدين وإدانة له.

كما أن الدين يطرح نفسه على أنه منهج حياتي شامل كامل ، والحد من سلطانه يعني إعلان الحرب عليه ، وبالذات الإسلام فهو رؤية شاملة وكاملة للكون والحياة والإنسان ، تغطي عبر آلياتها الاجتهادية كل مراحل التطور البشري والاجتماعي والتاريخي"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"، والدين المسيحي مع أنه لا يحتوي على تشريع أو تنظيم اجتماعي وإنما يحيل إلى التوراة أو العهد القديم ، ومع أن العلمانية حاربته طوال القرون الخمسة الماضية حتى انزوى إلى الحياة الشخصية على مستوى أفراد قليلين لا يشكلون نسبة كبيرة في الغرب ، بدأ يستعيد وجوده في الحياة الغربية ، وإن كانت هذه الاستعادة ذات أهداف فكرانية وسياسية ، ليكون سلاحاً روحياً في مواجهة الإسلام الذي يلقى رواجاً واسعاً في الغرب هذه الأيام ، ولذلك نجد النشاط المسيحي أغلبه نشاط سياسي تبشيري تدعمه النظم السياسية الغربية التي تعتبر نفسها في حالة مواجهة مع الإسلام"الخطر الأخضر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت