فهرس الكتاب
ومع أن الدين المسيحي فقد ركائزه المقدسة ، وانهارت مرجعيته تحت سياط البحث العلمي ، والتاريخي - كما أشرنا في التمهيد - ولم يعد يملك القدرة على الإقناع أو اكتساب ثقة المؤمنين به ، مع ذلك فإن الغرب اضطر أن يعدِّل كثيراً في المسيحية حتى كادت أن تتماهى مع الإلحاد ، وذلك من أجل أن يرضي حاجته إلى التدين ، أو يرضي ضميره المعذب لاغتياله المسيحية ، ولذلك فقد""تضاءلت الفروق الثقافية بين المؤمن والكافر ، وانطمست الحدود بين الإيمان والكفر وأصبحت المسيحية أكثر مرونة والإلحاد أكثر سلبية ، والإنجليزي الكافر ذو المنزلة الاجتماعية مهما تكن هذه المنزلة متواضعة يجري على سَنن المسيحية غالباً في مناسبات الولادة والموت والزواج""، ومن هنا فإن إليوت يعتبر دين مجتمع ما هو ثقافته أيضاً ، والاحتفاظ به احتفاظ بثقافة الأمة""إن الثقافة والدين مظهران لشيءٍ واحد"".
ومن الخطأ الشائع القول: بأن""الثقافة يمكن حفظها وبسطها وتنميتها بغير دين""و""حين ندافع عن ديننا فلا بد لنا في معظم الأمر من أن نكون مدافعين عن ثقافتنا في الوقت نفسه والعكس بالعكس""وإن""القوة الرئيسة في خلق ثقافة مشتركة بين شعوبٍ لكلٍّ منها ثقافته المتميزة هي الدين""ولذلك""إذا ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا"". ومن هنا فإن الدين في الغرب يتجلى في مظاهر حياتية كثيرة كالقَسَم وتدريس المناهج الدينية ، وأعياد الميلاد ، وقوانين العقوبات . وهكذا يتبين لنا أن الغرب يريد العودة إلى الدين لأهداف دنيوية محضة ، أهمها استخدامه كسلاح وثقافة"فكرانية"في مواجهة الشمولية الإسلامية . ولكن الدين الذي يريده الغرب ليس هو الدين العلماني علمانية ثابتة ، وإنما هو الدين الذي يقبل الخضوع للعلمنة المستمرة دون توقف ، وعلى هذا النحو يفرقون بين العلَمانية والعلمنة ، فكيف ذلك ؟ .
سؤال:
في هذه الدوامة من المصطلحات، هل هناك فرق بين العَلمانية والعلمنة ؟
العلمنة لم تكن في الأصل تتضمن حكماً تقييمياً ، فقد كانت تعني في شرع الكنيسة الرومانية"رجوع"رجل دين أو قس إلى العالم ، كما كانت تعني إبعاد مقاطعة أو ملكية ما عن رقابة السلطات الكنسية ، ولم تصبح العلمانية مفهوماً فكرانياً مثقلاً بالمعاني مثيراً للجدل إلا حديثاً، وبالتحديد منذ الحرب العالمية الأخيرة حيث أصبحت تعني حسب موقع كل طرف إما التحرر من قيود الدين وسلطة رجاله ، وإما انحسار النصرانية والرجوع إلى الوثنية.
ويبدو أن التعريف الذي يقترحه"بيترجي"أكثر تعريفات العلمنة المتعددة دقة ، فالعلمنة كما ضبطها هي""السيرورة التي بها تخرج قطاعات تابعة للمجتمع والثقافة عن سلطة المؤسسات والرموز الدينية"". وسنلاحظ - فيما بعد - أن كلمة السيرورة هي الحد الفاصل بين العَلمانية والعلمنة ، إذ إن اتجاه العلمنة الجارف جعل المسيحية تحاول أن تتنازل كثيراً عن معتقداتها التي تبنتها لبضعة قرون لتتماشى مع التيار الجديد ، فكانت البروتستانية أول بوادر العلمنة في المسيحية ، ثم انخرط اللاهوتيون المسيحيون بدون وعي في علمنة المسيحية ، وبدؤوا يطرحون صِيَغاً جديدة للمسيحية لم تكن من قبل حتى قال قائلهم:""إننا نصير مسيحيين باستمرار""أي أن كل ما يُطرح من نظريات علمانية جديدة نتبناه ونعتبره من المسيحية، ومن هنا قال باسكال:""إننا بدلاً من أن ندخل العالم في المسيحية، نريد أن ندخل المسيحية في العالم"".
والواقع أن استجابة المسيحية للعلمنة كانت سريعة ، وانخراطها في سيرورتها لم يكن شاقاً، والسبب هو أن المسيحية فقدت ركائزها التي ترتكز عليها منذ القرون الأولى بجهود بولس ، ثم قسطنطين والمجامع المسيحية ، وبالتالي بدأت تبحث عن أسس تستند إليها في الأفكار الإغريقية والهلينية ، وكان بولس قد أنجز هذه المهمة بنجاح .
وهكذا فإن أول غاية للعلمنة هي التحرر من المسيحية ، لأن العلمنة في أساسها تعني أن هناك""مساراً تاريخياً لا راد له تقريباً هو الذي يتحرر بمقتضاه المجتمع والثقافة من الخضوع لوصاية الدين والأنساق الميتافيزيقية المغلقة"". فالعلمنة إذن:""تطور تحرري وثمرتها النهائية هي: النسبية التاريخية""أو هي:""عملية تطورية لوعي الإنسان من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج""والتاريخ بالنسبة للعلمانيين عبارة عن سيرورة لتحقق العلمنة .
الخلاصة: