فهرس الكتاب

الصفحة 5688 من 27364

العلمنة تعني مساراً لا نهاية له ولا حدود ، تخضع فيه القيم والرؤى الكلية للوجود للمراجعة الدائمة حسبما يقتضيه التغير في المسيرة التطورية للتاريخ ، بينما تعكس العلمانية - شأنها شأن الدين مثلاً - رؤية مغلقة ، ومجموعة من القيم المطلقة المتوافقة مع غاية نهائية للتاريخ تنطوي على أهمية كبرى للإنسان ، وهذا يعني أن العلمانية بالنسبة للغربيين تمثل منظومة فكرانية أي ثابتة وجامدة .""العلمنة لا ينبغي لها هي الأخرى أن تصبح عقيدة إيديولوجية تضبط الأمور ، وتحد من حرية التفكير كما فعلت الأديان سابقاً ، والعلمانية النضالية laicisme ربما كانت قد مشت في هذا الاتجاه""إن العلمانية مشروع لا يكتمل ، وأفق ينبغي افتتاحه باستمرار ، لكي لا تتحول إلى معتقد مغلق ، وسلطة كهنوتية. ولذلك فالعلمانية تجربة لا تكتمل وسيرورة تحتاج على الدوام إلى إعادة تأسيس وبناء، وعلى داعية العلمانية أن يصنع علمانيته باستمرار ويعيد خلقها من جديد ، ويعيد انتزاعها من تاريخها الخاص وإعادة إنتاجها بشكلٍ دائم .

إن هذا يعني أن العلمانية إذا تجسدت وتبلورت في قالب معين تتحول إلى منظومة فكرانية، وهو ما لا يريده الغرب ، لأنهم يريدون بشكلٍ دائمٍ أن تظل العلمانية في حركة تعلمن دون توقف ، ويجب على كل جيل أن يسهم في تحريك عملية العلمنة وإخراجها من جمودها وثباتها عن طريق إبداع برامج فلسفية مفتوحة تكرس النسبية المطلقة .

وهكذا ففي الوقت الذي تقوم فيه الفكرانية العلمانية بتحرير عقل الإنسان من النظر إلى الطبيعة نظرة رهبة وتقديس ، وبنزع القداسة عن السياسة شأنها في ذلك شأن العلمنة بوصفها مساراً متصلاً ، إلا أنها لا تمتهن القيم بالشكل المطلوب والمستمر ، لأنها تقدم نسقاً قِيَمياً خاصاً بها ، ولذلك تُعتَبر العَلمانية خطراً على العلمنة إذا لم تُراقَب بشكل دقيق وصارم حتى لا تتحول إلى إطار فكراني للدولة ، أو إطار دوجماطيقي ، لأن العلمنة تطور دائم وحركة دائمة فهي لا تعرف الثبات .

يمكننا أن نشبه هذه الحركة بالحركة التي تحصل داخل المادة حسب المفهوم الماركسي ، وتُنتِج صراع الأضداد ، وهذا الصراع يؤدي دائماً إلى أوضاع جديدة لا تستقر على حال . وبذلك نلاحظ كيف تظل العلمانية تستعيد جذورها التي أنتجتها .

سؤال:

هل للعلمانية نظرة شمولية للعالم ؟

تقدم الدكتور عبد الوهاب المسيري ببيان نوعين (قِسمَين) من العلمانية ليسا منفصلين ، بل متكاملين في داخل دائرة واحدة ، وهو يعرض قسمته هذه من أجل تجاوز إشكالية التأرجح في تعريفات الباحثين بين علمانية جزئية قاصرة على فصل الدين عن الدولة وعلمانية شاملة تعم كل شؤون الحياة .

-فالعلمانية الجزئية: عنده هي رؤية معرفية جزئية للواقع لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية ، ومن ثم لا تتسم بالشمول ، فهي تذهب إلى فصل الدين عن الدولة ، وربما بعض النشاطات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى ، ولكنها تسكت فيما يتعلق بجوانب الحياة المختلفة الأخلاقية والميتافيزيقية ، ولا تتعرض للمطلقات والكليات الأخلاقية والإنسانية والدينية بالنفي أو الإثبات .

-أما العلمانية الشاملة: فهي رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي كلي ونهائي وتحاول بكل صراحة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات بكل مجالات الحياة ، وهي رؤية عقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية .

والعلمانية الشاملة بهذا المعنى ليست مجرد فصل الدين عن الدولة أو عن الحياة ، وإنما فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية عن العالم ، وليس عن الحياة فقط أو الإنسان فقط ، بمعنى أن العالَم يصبح شيئاً تافهاً لا قداسة له ، والإنسان مادة خالية من أية قيمة روحية متجاوزة للمادة ، أو متعالية عليها .

وعندما تُنزع القداسة عن العالم"الإنسان والكون"يسقط في قبضة الصيرورة المادية ، ويظهر الإنسان الطبيعي في حدود احتياجاته المادية الاقتصادية أو الجسمانية ، وحدوده هي حدود المادة ، وأهدافه وغاياته وأخلاقه مادية ، وسلوكه وتطلعاته وأشواقه مادية ، إنها باختصار المادية المطلقة .

ويذهب الدكتور المسيري إلى أن العلمانية الشاملة تتفق مع الإمبريالية ، وذلك لأنها حين تُكرّس المادية المطلقة ، تترسخ في الواقع الإنساني النفعية المطلقة على كل المستويات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية ، وعندما تصبح النفعية هي المعيار فإن سلطان القوة هو المرجعية والحكم ، وسلطان التفوق الحضاري والمادي هو الأساس والمنطلق .

وبذلك بدلاً من النزعة الإنسانية تسود مركزية الإنسان الأبيض ، والشعر الأشقر ، والعيون الزرقاء في الكون ، وبدلاً من الدفاع عن مصالح الجنس البشري تسيطر مصالح الجنس الأبيض ، أو الجنس الأمريكي _ كما هو ملاحظ اليوم في مؤتمرات العولمة - وبدلاً من الاحتكام للمعايير والقيم الإنسانية ، يصبح الاحتكام للمعايير الأمريكية أو الغربية تحت حراسة القوة النووية ، والترسانات العسكرية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت