فهرس الكتاب
والواقع أن هذه النفعية المطلقة ، وأخلاق القوة ممتدة في التاريخ الغربي منذ أفلاطون وأرسطو اللذين رأيا ضرورة إبادة المعوَّقين والضعفاء ، إلى مكيافللي الذي نهى الحاكم عن الرأفة والرحمة ، ودعاه إلى القتل والإبادة لتوطيد سلطانه ، إلى نيتشه الذي حَلُم بإبادة كل الضعفاء من البشر في إطار دعوته إلى"الإنسان الأعلى"إلى داروين"والبقاء للأقوى"إلى وليم جيمس ، وجون ديوي ، والفلاسفة الأمريكيين الذين رسخوا النفعية بشكل فلسفي يتواءم مع التطور التقني والتكنولوجي ، ويستجيب لتطلعات العقل الغربي الذي اكتنز المادية منذ بضعة قرون .
ونزلت هذه الفلسفات إلى ساحة الواقع ، وعانت منها البشرية الويلات المتلاحقة على يد نابليون بونابرت ، وهتلر ، وموسوليني ، وستالين ، وكان حصاد هذه العلمانية ملايين الضحايا من البشر في حربين عالميتين ، ولا تزال المأساة متواصلة على يد الجزار الأمريكي ، والتحالف الأوربي ، والشيوعي في البوسنة والهرسك ، والبانيا ، والشيشان والعراق وأفغانستان والفلبين ، والعلامات تشير إلى أن الدور قادم إلى سوريا ، وإيران ، رد الله كيدهم في نحورهم .
كل هذه الفظائع لم تقع بأيدي المسلمين ومع ذلك""يُوجه دائماً النقد للمسلمين ، لأنهم لم يقوموا بأفضل الإنجازات ، ولكن نادراً ما يُسجل لهم أنهم منعوا حدوث الأفظع في بلادهم ، فلن تجد عندهم أبداً القتل المنظم للشعوب كما حدث في أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا ، ولن تجد ما يشبه الرعب والإرهاب الستاليني ، واقتلاع الملايين من البشر من جذورهم تحت مسمى الخطة الخمسية ، كما أن المسلمين لا يتحملون وجود نماذج للتفرقة العنصرية كالتي شهدتها جنوب إفريقيا من قبل الهولنديين ، بمباركة وبموافقة كنيستهم الإصلاحية ، ولا تجد شبيهاً أبداً للعنصرية اليابانية العنيفة التي شهدتها آسيا قبل عام 1945م ولا الثقافة العنصرية التي مارسها البيض ضد الزنوج في الجنوب الأمريكي بما تتضمنه من قتل وإبادة وعنف ، وشنق دون محاكمة"."
لم يحصل مثل هذا في ديار المسلمين وبلادهم وإنما في العالم المتحضر الذي يتباهى اليوم بالحضارة ويَصِم الآخرين بالتخلف ، وليس لذلك من مبرر إلا أن العلمانية الشاملة المادية هي التي تسلمت القيادة ، وتحكمت في مصائر الشعوب الغربية ، وتريد أن تفرض نفسها على بقية الأمم في إطار العولمة ، وعن طريق الممارسة الإمبريالية ، والتلويح بالقوة النووية وهذا يؤكد ما ذكره الدكتور المسيري من أن""العلمانية هي النظرية والإمبريالية هي الممارسة""ويقودنا ذلك إلى الحديث عن العلمانية والسلام .
سؤال:
بما أننا دخلنا في السياسة، ما هو موقف العلمانية من قضية السلام ؟
في الوقت الذي كان الإنكليز يحتلون البلاد العربية والإسلامية ، ويرتكبون الفظائع من قتل وتدمير وإبادة وتجويع وتجهيل في العراق ، والهند ، ومصر ، كان سلامة موسى يتغزل بالإنجليز فهم""النظاف الأذكياء"". وهم""أرقى أمة موجودة في العالم ، والخلق الإنجليز يمتاز عن سائر الأخلاق، والإنسان الإنجليزي هو أرقى إنسان من حيث الجسم والعقل والخلق""، ثم دعا إلى التعاون معهم وهم يحتلون البلاد ، ويقتلون العباد فقال:""فنحن إذا أخلصنا النية مع الإنجليز فقد نتفق معهم إذا ضمنا لهم مصالحهم ، وهم في الوقت نفسه إذا أخلصوا النية لنا ، فإننا نقضي على مراكز الرجعية في مصر ، وننتهي منها ، فلنول وجوهنا شطر أوربا"".
هذا هو ثمن السلام بنظر سلامة موسى أن نتعاون مع الإنجليز ، ونضمن لهم مصالحَهم ، ومصالحُهم أن يظلوا جاثمين على صدر مصر ، ينهبون خيراتها ويستذلون أهلها ، ويدوسون كرامتها ، ولكن هذا لا يشكل خطراً على سلامة موسى لأنه سيظل هو والنخبة الربيبة ينعمون بالرفاهية ، ويتمتعون بالخيرات ما دام أسيادهم راضين عنهم ، آمنين لجانبهم .
والربح الذي يحققه سلامة موسى من التعاون مع الإنجليز هو القضاء على الرجعية ، والرجعية المقصودة عنده والتي يحلم بالقضاء عليها هي الأزهر الذي يبث فينا ثقافة القرون المظلمة ، وشيوخ الأزهر المأفونين ، الذين لا يكفون عن التوضؤ على قوارع الطرق . أليس هذا هو الفاشيست الذي يتحدثون عنه ؟! .
واليوم يدعونا طارق حجي إلى الإيمان بحتمية الوصول إلى السلام مع إسرائيل ، وعلينا أن نكافح لترسيخ ثقافة السلام بدلاً من ثقافة العدوان وأن نسير على خطا السادات لكي تتجنب المنطقة السقوط في العنف والماضوية والتخلف والفقر ، وعلينا أن نقبل قيام دولة ديمقراطية لا دينية على كامل تراب فلسطين يتساوى فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون. ويعني هذا أن يتنازل الفلسطينيون عن مقدساتهم ، وعن حق العودة للمشردين من أبنائهم ويرضخوا لما يفرضه منطق القوة الإسرائيلي والأمريكي . إنها دعوة للاستسلام تحت عنوان:"الإيمان بحتمية السلام".