فهرس الكتاب
ولكن إذا كان كل المنظرين للعلمانية إسلاميين وعلمانيين يتفقون مع أمين العالم على أن العلمانية تعبر عن الطموح المادي للإنسان وتتطرف في هذا إلى حد التأليه للمادة، فإنه لا أحد يتفق معه على أن العلمانية تعبر عن الطموح الروحي للإنسان، فالعلمانية لا تعترف بالروح أصلاً، وإذا اعترفت بها فإنها تحولها إلى مادة وتتعامل معها على هذا الأساس، إن العلمانية تُهْدِر الجانب الروحي في الإنسان، وتُهدر المقاصد الروحية له، وتُلغي كل ما تطمح الروح إليه من خلود وعبودية وسعادة دائمة.
أما د. حسن حنفي فالعلمانية عنده مصطلح وافد، وبما أنه كذلك فإن الرفض هو ما سيواجَه به، فلماذا لا ندع إلى الإسلام الحقيقي، والإسلام الحقيقي هو إسلام علماني في جوهره لا حاجة له إلى علمانية زائدة عليه مستمدة من الخارج.
نلاحظ أن حسن حنفي لا يرفض مضمون العلمانية، وإنما يرفض المصطلح لأنه بضاعة المستعمر، ولكن المضمون أيضاً بضاعة المستعمر، ولا يكفي أن نلبسه لباساً إسلامياً، أو نعطيه صبغة ذاتية. إن الثقافة الغازية يراد لها أن تتمكن في ذواتنا ولكن من أجل التخلص من عقدة النقص نضفي عليها غطاءً إسلامياً، وتبريراً فكرانياً، ونطلق على الإسلام بأنه دين علماني في جوهره.
إنها نفس النتيجة التي يصل إليها د. عابد الجابري فالمصطلح مثقل بالأفكار والمعاني الغربية الوافدة، والتي تدفع إلى ردة فعل لدى الإسلاميين تجعلهم يسارعون إلى رفضه، والمصطلح البديل لديه هو: الديمقراطية والعقلانية""فالديمقراطية تعني حفظ الحقوق، حقوق الأفراد والجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة والسياسة عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج""ثم يضيف الجابري:""بأنه لا الديمقراطية ولا العقلانية تعنيان بصورة من الصور استبعاد الإسلام"". فهو أيضاً لا يرفض مضمون العلمانية وإنما يرفض الشعار لأنه شعار مزيف ملتبس يجب استبعاده من قاموس الفكر العربي. والعقلانية الجابرية باعترافه هي على النقيض من سيرة السلف الصالح لأن عقلانيتهم تقوم على مبدأ أن الدنيا قنطرة الآخرة وهو منطق قد أدى وظيفته يوم كان العصر عصر إيمان فقط، وليس عصر علم وتقنية وأيديولوجيا وهو ما يعني إذن أن الإيمان يتناقض مع العلم والتقنية.
ولكن يقال هنا بأن الديمقراطية والعقلانية"المطلقة"كلاهما مصطلحان وافدان والخلاف بشأنهما بين الإسلاميين والعلمانيين لا يقل عن الخلاف بشأن العلمانية. ولذلك لم يحاول حسين أمين أن يرفض المصطلح بل إن المصطلح ومضمونه لا يناقضان الإسلام، لأن العلمانية تولي الحياة الدنيا اهتماماً أكثر مما تفعل المسيحية ولذلك وقعت في صدام معها، أما الإسلام فإنه يهتم بالحياة الدنيا ويعطي لكل من الدارين نصيبها"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" [البقرة: 172] . و"وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيا" [القصص: 77] ."قلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" [الأعراف: 32] .
ولكن نسي أنه ينقض رؤيته هذه عندما يعرف العلمانية بأنها:""محاولة للاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة وعن المسلمات الغيبية""، ذلك لأن الإسلام يرفض أن يستقل العقل عن الوحي في أهم الأسئلة التي تواجه الإنسان، إنها الأسئلة المصيرية الكبرى التي تتعلق بالغيب.
وعلى كل حال يسعى أغلب العلمانيين العرب لكي يؤسلموا العلمانية، ويجعلوها متحالفة مع الدين، أو أن الدين علماني في جوهره""الكلام على العلمانية لا يعني ألبتة نفي الدين بما هو إرث وتاريخ وتجربة أي بما هو حقيقة واقعة لا مجال لإنكارها وتجاوزها""
""ولكن لا يخلو هذا التنظير في كثير من الأحيان عن التناقض فعلى سبيل المثال: يقول د. فتحي القاسمي""إن العلمانية تصور وضعي لمختلف أنشطة الإنسان بعيداً عن التأويلات المفارقة""ثم يقول مباشرة""وليس في ذلك بالضرورة تحامل على الدين""، ثم يقول في نفس الصفحة""لقد جعلت العلمانية الدين في وضع جديد، يسوده الحرج، ولم تلغه، وإنما قيدت مجال نشاطه"".
إن كلام القاسمي هذا يعبر عن سذاجة أو استيذاج للآخرين، لأن آخر الكلام ينقض أوله فعندما تكون العلمانية تصور وضعي، والدين قرار إلهي، والعلمانية تصور مادي، والدين فيه مساحة واسعة للغيب، أو ما يسميه"التأويلات المفارقة"فكيف لا تكون العلمانية في هذه الحالة متحاملة على الدين ؟