فهرس الكتاب
وكذلك عندما يطرح الدين رؤيته الشاملة للوجود، ومنهجه الكامل للحياة، فتحد العلمانية من هذه الرؤية وترفض هذا المنهج، وتضع الدين في وضع حرج، وتقيد فاعليته، كيف لا تكون متحاملة على الدين في هذه الحالة ؟ وكيف لا تكون - العلمانية - كذلك وهي بنظر القاسمي نفسه تَعتَبر المقولات الثابتة للدين متطرفة مهترئة لا يصدقها العقل.
وبالرغم من هذا التناقض الواضح يظل هؤلاء يصرون على أن الإسلام دين علماني كما طرح حسن حنفي والجابري ونصر حامد أبو زيد وحسين أحمد أمين وعبد المجيد الشرفي وفتحي القاسمي ومحمد أركون وطيب تيزيني وطارق حجي ولكن كيف يكون الإسلام ديناً علمانياً عند هؤلاء ؟
سؤال:
ما أدلتهم على إمكانية أسلمة العلمانية وعلمنة الإسلام ؟
أ - لأنه اهتم بالحياة الدنيا كما سبق ورأينا عند حسين أحمد أمين، ولأنه لم يعرف في تاريخه كنيسة أو نظاماً كهنوتياً، ولم يحكر المعرفة والنظر على أحد. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ملِكاً وعاش ملكاً، ومات ملكاً، وحبب إليه من الدنيا ثلاث النساء والطيب والصلاة وانخرط في الواقع الدنيوي المعيش. وقال للناس:"أنتم أعلم بشؤون دنياكم".
ب - ولأنه قاصر على الأخلاق والقيم، وليس فيه نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي عند طارق حجي، أو بتعبير طيب تيزيني ومحمد سعيد العشماوي لأنه دين الهداية والرحمة، وليس دين العلم والتشريع، أو بتعبير آخر للتيزيني لأن القرآن""يقول كل شيء ولا يقول شيئاً""لأنه كتاب مودة وأخلاق. أو لأن القرآن على حد تعبير محمد أركون""مجازات عالية""ومن الوهم اعتقاد الناس بتحويل هذه التعابير المجازية إلى قانون فعال، أو شريعة واقعية.
ج - ولأنه تخلص من أقوى أعراض المقدس: الأسرار والمعجزات، وأعلى من قيمة العقل حتى تُكُلِّم عن معقولية الشريعة وهذا يعني أن بوادر العلمنة تكمن في داخله.
د - ولأن الإنسان هو محور الكون في القرآن، فقد ذُكر في خمس وستين آية، والدنيا ذُكرت في مائة وخمسٍ وعشرين مرة، وهي ليست إفلاساً كما يصورها المغالون وإنما هي مليئة بالطيبات والخيرات، والقطوف الدانية.
هـ - " ولأن أسس التشريع في الإسلام انطلاقاً من مصادره الكبرى تتوفر على قسط كبير من الأريحية والقابلية للتشكل والتلون بما يسعد الإنسان في الأرض حتى وإن بلغ ذلك حد تعطيل المفروض من الأحكام، وتجميد نصوص شرعية. إن هذا النص لا يختلف عما قرره أركون وطيب تيزيني آنفاً وهو ما يعني أيضا أن""القرآن كل شئ فيه متحرك ومتموج ومفتوح ومليء بالاحتمالات""."
و - ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم " لو قُدّر له أن يعيش بين ظهرانينا حيناً من الدهر، وفي وسطنا المُعلمَن لعدل كثيراً من المواقف ولنسخ العديد من أقواله، لأنه كان مؤمناً بجدلية العلاقة بين المفاهيم الدينية التشريعية، والواقع البشري النسبي والمتطور على الدوام، ولكننا ما نزال نرتطم بالرافضين لذلك.""ولا يزال النص يسيطر على حساب الفكر""."
ز -"وما قام به علماء المسلمين عبر العصور من اجتهادات جريئة وطريفة يدل على أنه يمكن في الإسلام علمنة المقدس بما يلائم وضع المسلمين، ولا يتناقض ذلك مع مقاصد الشرع، وما دام في إطار المصلحة". فالاجتهاد في الإسلام ممارسة عقلانية ذات طابع علماني تنويري يجعل الشريعة والأحكام ناسوتية لأن العقل هو الذي يؤسسها ويصبح أولى من النص، مما يجعل الحقائق متعددة كما نرى في كثرة الاختلافات والمذاهب.
سؤال:
ولكن، نتساءل هنا: كيف لا تتناقض علمنة المقدس مع مقاصد الشرع ؟
إن الإجابة عند فتحي القاسمي نفسه""لقد سبقنا الفقهاء والأصوليون إلى تطويع جريء للشريعة، ولكننا منذ عصر النهضة إلى الآن لم نجترئ على إحداث سنة ثقافية إسلامية جديدة داخل المنظومة الإسلامية قادرة على فرقعة كثير من الثوابت التي أضفيت عليها قداسة لم تزدها عصور الانحطاط والتخلف إلا ترسخاً، فهل ذلك يكون بواسطة العلمانية ؟"". وخصوصاً إذا كانت العلمانية""هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة من صنع التاريخ، وتظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفها عن التطور"".
ونعيد السؤال الذي أجاب عنه فتحي القاسمي ولكن بطريقة تكشف موطن التناقض والمغالطة فنقول: هل يمكن في الإسلام فرقعة كثيرٍ من الثوابت دون أن يتناقض ذلك مع مقاصد الشريعة ؟ ذلك ممكن في العلمانية فعلاً كما يأمل فتحي القاسمي، لأنه في العلمانية""كل شيء يجوز""!!""كل شئ يجوز""أقترحه تعريفاً للعلمانية، وليس فيه من جديد إلا طريقة التعبير، لأنه مضمن لدى من يزاوج بين العلمانية والنسبية كمراد وهبة على سبيل المثال.