فهرس الكتاب
ولأن التاريخ الإسلامي يفيض بالعلمنة ففيه الشعر الماجن والدنيوي، والتراث يفيض بالدنيوية وتصوير الحياة الاجتماعية، وخصوصاً حياة القصور على أنها مملوءة بالملذات والشهوات، والإقبال على الدنيا، والخمر كان شائعاً ومنتشراً في مجمل العالم الإسلامي، وانتشار ظاهرة الزندقة في أوساط المسلمين واستفحالها حتى وُصِم بذلك بعض الخلفاء مثل الوليد بن يزيد [ 88 هـ 126 هـ ] والمهدي [ 158هـ، 169 هـ] وإعلان الزنادقة لآرائهم بكل شجاعة وصراحة دون خوف.
إن كل هذا يؤكد - بنظر الخطاب العلماني - على أن الإسلام أجاز لأبنائه في التنظير والممارسة بعض أشكال العلمانية، ويؤكد""أن العلمنة في المجتمع الإسلامي القديم ليست بدعاً، أو رجماً بالغيب، وإنما واقع عايشه المسلمون واستأنسوا به أكثر من استئناسهم بالشريعة""!!!.
سؤال:
كيف نرد على القائلين بعلمانية الإسلام وإسلامية العلمنة ؟
المقولات العلمانية السابقة والتي من خلالها يتوصل العلمانيون إلى القول بأن الإسلام دين علماني، ويقبل العلمنة تتركز حول المحاور التالية:
أولاً: أن الإسلام اهتم بالحياة الدنيا.
ثانياً: جعل الإنسان مركزياً في هذا الكون.
ثالثاً: تخلص من المقدس.
رابعاً: تخلص من المعجزات.
سؤال:
أرجو التكرم بالتفصيل في مناقشة هذه المحاور الأربعة.
أولاً:
لقد أوْلى الإسلام بالفعل عناية بالحياة الدنيا ولكن بقدر، ويبدو أن الإسلام يبالغ في الاهتمام بالحياة الدنيا إذا ما قُورن بالمسيحية المزوّرة التي دعت إلى الرهبنة، وتطرفت في قمع الفطرة الإنسانية المحتاجة إلى البلاغ في طريق الآخرة.
ولكن المغالطة العلمانية تقوم على الإغفال والإبراز:
فيستدل العلماني بأن الدنيا ذُكرت في القرآن 115 مرة وهذا يعني أن الدنيوية"العلمانية"لها أصولها القرآنية وهذا هو الإبراز، أما الإغفال فيقوم على طمس وتجاهل أن الدنيا عندما ذُكرت في القرآن غالباً تذكر بالذم والامتهان والتحذير من بهرجها وزخرفها، وأن المستدل بالآيات يغالط دون أن يخجل بل إنه عندما يقول: إن الدنيا ليست في القرآن مصدر إفلاس كما يصورها المغالون، يعلم أنه يتجافى عن الحقيقة وهي إلى جواره، لأنه لو تأمل في الآيات التي قام بإحصائها لوجد أن القرآن هو الذي يحكم على الحياة الدنيا بأنها"مَتَاعُ الْغُرُورِ"و"هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ" [الكهف: 45] . وليس المغالون.
إن الأصل في دعوة القرآن هي الآخرة"وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" [العنكبوت: 64] . والدنيا بُلْغة إلى الآخرة، ووسيلة لا بد من الأخذ بها، ولا بد من الإعمار والقيام بالأمانة، ولكن الآخرة في النهاية هي الغاية وهي الجوهر."وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" [القصص: 77] . ولكن الآخرة هي المراد والمقصد"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ"إن الأصل في دعوة القرآن الابتعاد عن الانخراط الأعمى في الدنيوية من شهوات وملذات، والاكتفاء بـ َالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ، والحلال الذي فصله الله عز وجل في كتابه.
ثانياً:
وأما أن الإسلام دين علماني لأنه جعل الإنسان محور الكون، فالمقدمة صحيحة، والنتيجة كاذبة، فالإنسان فعلاً هو محور الكون في القرآن الكريم فهو"الخليفة"إني جاعل في الأرض خليفة" [البقرة: 30] وهو حامل الأمانة"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" [الأحزاب: 72] ."
ولكن ههنا مغالطة أخرى أيضاً تقوم على الإغفال والإبراز:
الإبراز هو الإشادة بالموقف الإيجابي للقرآن من الإنسان، والإغفال هو تجاهل موقف القرآن من الإنسان المنحط والمغرور. الإنسان المحور في القرآن الكريم هو الإنسان الذي حُبِي بالعقل والعلم"وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا" [البقرة: 31] وشُرّف بالتكليف"وَمَا خَلَقْتُ الْجنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: 56] وكرم بالرسالة"قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ" [آل عمران: 183] وأُجيب على كل أسئلته حتى لا يتخبط في الظلام، واُمر بالعبادة لتشبع روحه، ودُعي إلى التفكر والنظر ليشبع عقله، ورُخّص له التمتع بالطيبات ليشبع جسده، وحُذّر من الإسراف والانحراف حتى لا تنزو نفسه، وتجمح غريزته، ويعسر عليه حينئذ حفظ الأمانة التي رضي بحملها.