فهرس الكتاب

الصفحة 5699 من 27364

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم في منظور هذا الخطاب كان أحد الحنفاء الثوار الذين ثاروا على الطبقات الثرية بسبب حالة الإعدام والفقر التي كان يعيشها صلى الله عليه وسلم قبل نبوته.

وكان الواقع الاجتماعي والثقافي للعرب يفترض ويتحرك باتجاه الوحدة، فكانت النبوة وسيلة لتحقيق ذلك، لأن العرب لا تقودهم إلا النبوة بسبب أنفتهم وغلظتهم. فالنبوة على ذلك كانت إفرازاً ثقافياً واجتماعياً اقتضاه التطور العربي آنذاك وخطط له أقارب النبي صلى الله عليه وسلم حيث""لم يجد الآخرون [ يقصد أقارب النبي صلى الله عليه وسلم ] سوى الاهتداء إلى‍أنه لا حل سوى أ‍ن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبياً مثل داوود"". فكان ذلك عندما أعلن محمد صلى الله عليه وسلم أنه ‍النبي ‍المنتظر‍‍،وأخذ ينادي طيف جده: أي جدي ها آنذا أحقق حلمك.

لقد كان الواقع إذن مهيأ لخروج نبي، وكانت الظروف تحتم وتفرض ظهور مصلح في الجزيرة العربية فكان محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي هيأته الأسباب لذلك، هذه هي القراءة الماركسية للواقع الاجتماعي الذي كان يسير حتماً باتجاه إفراز تغيير جديد في حياة العرب. وهكذا تقرر الماركسية""إن مسألة ظهور فرد معين لا أي فرد آخر في عصر محدد، بل في بلد محدد هي بالطبع مسألة متعلقة بالصدفة الخالصة، ولكننا إذا ما حذفناه سوف يكون دوماً بحاجة إلى بديل، وهذا البديل سيوجد بهذه الصورة أو تلك، سيوجد حتماً مع مر الزمن فلو لم يوجد نابليون هذا لقام غيره بمهمته"".

وهكذا - وطبقاً للتحليل الماركسي - تُفسَّر أيضاً قداسة الكعبة المشرفة فهي واحدة من جملة كعبات كانت منتشرة في الجزيرة العربية، وتَميُّزها عن غيرها كان بسبب تحول الطرق التجارية إليها، وقبول مكة لوضع أرباب الآلهة الأخرى في الكعبة مما أدى إلى سيادتها واستئثارها فيما بعد بالقداسة. فالقضية إذن ليست أكثر من انعكاس اقتصادي، أليس ماركس هو الذي يقرر أنه""مع تغير الأساس الاقتصادي يحدث انقلاب في كل البناء الفوقي"". وأنه""لا يجب البحث عن مفتاح التاريخ في أدمغة الناس وآرائهم وأفكارهم، بل في علاقات الإنتاج والقوانين الاقتصادية والموضوعية التي تعمل مستقلة عن إرادة الناس"".

وهكذا يتوالى الإسقاط الماركسي على الإسلام فلأن""الآفاق المعرفية للجماعة التاريخية هي آفاق تحكمها طبيعة البنى الاقتصادية والاجتماعية لهذه الجماعة""، فإن تحريم القتال في الأشهر الحرم كان من أجل الحفاظ على وسائل الإنتاج الاقتصادي من الدمار الكامل. والبحث عن دين إبراهيم عليه السلام كان بحثاً عن الهوية الخاصة للعرب الذين يتهددهم الخطر الاقتصادي النابع من ضيق الموارد الاقتصادية.

أما الأحناف فقد كانوا تجسيداً لنزوع ما لاتجاه جديد في رؤية العالم في هذه الثقافة يبحث عن الوحدة والهوية وتحقيق الذات، وكان محمد صلى الله عليه وسلم جزءاً من هذا الاتجاه، ومعبراً عن هذا النزوع، ومجسداً لكل هذه الأحلام والطموحات""كان محمد صلى الله عليه وسلم قد تجسدت في داخله أحلام الجماعة البشرية التي ينتمي إليها، إنسان لا يمثل ذاتاً مستقلة منفصلة عن حركة الواقع، بل إنسان تجسدت في داخله أشواق الواقع وأحلام المستقبل"". وهكذا قررت الماركسية أنه""ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم""، و""ليست حركة الفكر سوى انعكاس لحركة الواقع بعد أن انتقلت إلى دماغ الإنسان"".

وهكذا نجد المقولات الماركسية تشكل الخلفية الحقيقية للخطاب العلماني في قراءته للإسلام والقرآن فنلاحظ:

-جدلية البنى التحتية والفوقية في النصوص التالية:""ولم يكن لهذا البحث أن يتجاوز الآفاق المعرفية للجماعة التاريخية، وهي آفاق تحكمها طبيعة البنى الاقتصادية والاجتماعية لهذه الجماعة"". وذلك من منظور""أن البنى التحتية، والفوقية تتفاعل في جدلية معقدة"".

-التفسير الاقتصادي للعلاقات الاجتماعية وذلك يتجلى في: اعتبار البحث عن دين

إبراهيم بحثاً عن الهوية الخاصة بالعرب، وحماية للذات من الحاجة الاقتصادية.

-نفي النفي وذلك حين يقرر الخطاب العلماني أنه""ليس معنى القول إن محمداً صلى الله عليه وسلم ابن الواقع ونتاجه أنه نسخة كربونية من صورة العربي الجاهلي... إن الواقع الذي ينتمي إليه محمد ليس بالضرورة هو الواقع المسيطر فالواقع... يحتوي في داخله وفي بنائه الثقافي نمطين من القيم: النمط السائد المسيطر، ونمط القيم النقيض الذي يكون ضعيفاً خافت الصوت، لكنه يسعى لمناهضة نمط القيم السائد، وليس هذان النمطان من القيم إلا تعبيراً عن قوى اجتماعية وعن صراعات اقتصادية واجتماعية"".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت