فهرس الكتاب

الصفحة 5700 من 27364

هذا ما قرره الخطاب العلماني وهو ذاته الذي تقرره الماركسية حين تؤكد أن""الظاهرة الجديدة التي تبرز في الطبيعة والمجتمع تمر هي أيضاً في طريقها الطبيعي، أي أنها مع مرور الزمن تهرم وتخلي المكان لظاهرات وقوى أكثر جدة منها، وإذا كانت في السابق قد نفت القديم لكونها جديدة، فإنها أصبحت الآن هي نفسها قديمة يجري نفيها من قبل ظاهرات أفتى منها وأجدى وأقوى، وهذا هو نفي النفي"".

وأيضاً:""يوجد في كل مرحلة من مراحل التاريخ في جميع المجتمعات جنباً إلى جنب أفكاراً مختلفة متناقضة، لأنها انعكاس لتناقضات المجتمع الموضوعية، ومع ذلك فلا تتساوى هذه الأفكار في القيمة، منها ما يصبو إلى الإبقاء على المجتمع في أوضاعه القديمة، ومنها ما يسعى إلى تجديد هذا المجتمع"". وهو ذاته الذي يؤكده ماركس حين يقرر أننا""لا نستطيع الحكم على عصر من العصور بناء على وعيه لنفسه، وحدها التناقضات بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج تؤلف الأسباب الموجبة أي القوى المقررة الحاسمة"".

وهكذا فالأفكار الجديدة - في الماركسية - تتولد كحل لتناقض موضوعي نشأ في المجتمع، لأن الدافع على كل تغيير هو التناقض، ونمو هذه التناقضات داخل مجتمع معين يثير مهمة حلها عند اشتدادها، فتظهر حينئذ الأفكار الجديدة كمحاولة لحل هذه التناقضات. ذلك لأن قانون نضال الأضداد هو الدافع لكل تغيير، وهو وراء كل حركة، وطبقاً لهذا القانون يتم تفسير كل التطورات التي تنشأ في الوجود والتي تطال الإنسان والعقل والمجتمع.

وبذلك يتم فهم التطور الذي حصل في المجتمع العربي طبقاً لقوانين المادية الجدلية، والمادية التاريخية بعيداً عن أي ميتافيزيقا تنظر إلى تاريخ المجتمعات على أنه عبارة عن خليط من العوارض التي لا سبب لها، فالمادية الجدلية هي وحدها التي تحمل جواباً علمياً على مشكلة الوعي كما أنها تتيح لنا فهم أصل الأفكار وعملها، وفهم النظريات الاجتماعية والآراء السياسية.

هذه هي الرؤية الماركسية الجدلية التي يراد لها أن تحكم الوجود بكل ذراته، وتفسر كل أسراره فـ""الطبيعة بحذافيرها من الجزئيات الدقيقة إلى الأجسام الضخمة، ومن حبة الرمل إلى الشمس أو من الخلية الأولى إلى الإنسان، كلها رهينة بدوام الظهور والاختفاء، هي في جريان لا ينقطع، وفي حركة وتبدل دائمين"". وهكذا يتم تفسير الوحي.

سؤال:

لنعد إلى الجذور التاريخية لنظرية الأنسنة ؟

كان بروتاغوراس قد اعتبر الإنسان مقياساً لجميع الأشياء، فتصدى له سقراط ثم تلاميذه من بعده حتى أُجهضت السفسطة البروتاغوراسية، وفي عهد شيشرون عرف اليونان فكرة التعليم المتوازن الذي يتناول مختلف المعارف الإنسانية وكانت الكلمة التي اختارها شيشرون للتعبير عن هذه الفكرة هي Humanitas وفي عصر النهضة أصبح المصطلح الخاص بالمواد المدروسة في مجال اللغات والآداب الكلاسيكية هو Stu Dia Humanitisالتي تترجم"الإنسانيات Humanitiest."

وكانت الدراسات الإنسانية في القرن الخامس عشر تشير إلى دراسة القواعد اللغوية والبلاغة والتاريخ والآداب، والفلسفة الأخلاقية، وكانت تتكون من قراءة النصوص اللاتينية الخاصة بالعصر الكلاسيكي ما قبل المسيحي، أما كلمة هيومانزم فلم تكن معروفة لا للقدماء، ولا لعصر النهضة، وإنما صاغها في سنة 1808 م المفكر التربوي الألماني"نيثامر"أثناء مجادلة حول مكانة الدراسات الكلاسيكية في التعليم الثانوي، أما من طبقها في عصر النهضة فقد كانا المؤرخين"بروكهارت"و"نويجت"في كتاب"إحياء الكلاسيكيات القديمة أو القرن الأول للهيومانزم"سنة 1859 م.

إلا أن اسم الإنسانيين أو أصحاب النزعة الإنسانية قد كان يطلق قبل ذلك على المفكرين الذين اهتموا بالإنسان في عصر النهضة وهم الذين"آمنوا بأن الإنسان معيار كل شيء، وأن كل إنسان معيار ذاته". فأعادوا الحياة لفلسفة بروتاغوراس التي كانت راقدة ومحاصرة بالأرسطية والمسيحية، فهي لذلك نزعة تطوي تحتها كل من كانت له نظرة إلى العالم لا هي لاهوتية أساساً ولا هي عقلانية في المقام الأول وتتمرد على تصورات العصور الوسطى.

وأصبح التنوير يعني التحول من نعيم المسيحية الغيبي في السماء بعد الموت إلى النعيم العقلاني على هذه الأرض. ولذلك يمكن اعتبار البروتستانتية هي بداية الأنسنة في العصور الحديثة باعتبارها ركزت على الإنسان وآمنت بقدرته على الفهم، وشكلت ردة فعل قوية ضد الدين المسيحي الذي يميل بأهله إلى الزهد، وإنكار الذات دون مراعاة لحاجات الإنسان ورغباته الأساسية، واتجهت الأنظار لمركزة الإنسان بدلاً من الله عز وجل وتمثل ذلك في:

-الاهتمام بالحياة الدنيوية والعمل والنشاط بدلاً من حياة التأمل والتفكير المجرد.

-دفع المجتمع باتجاه التنافس والإبداع والمجد في هذا العالم.

-تبني معيار جديد للقيم علماني الطابع بحيث ينظر إلى العالم عن أنه نتاج لفعاليات الإنسان ومحاولاته وتجاربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت