فهرس الكتاب

الصفحة 5703 من 27364

د. عبد الرحمن بدوي"الوجودية"وهو أول وأبرز - فيما أعلم - من أدخل الوجودية كمذهب إنسي إلى الفكر العربي، وتابع أستاذه سارتر في التأكيد على محورية الإنسان، فالأنسنة عنده هي العود المحوري إلى الوجود الروحي الأصيل. والوجود الحق أو الوحيد بنظر الوجودية هو الوجود الإنساني، فكل شيء من الإنسان وإلى الإنسان بالإنسان، ومعيار التقويم هو الإنسان، وتلح الوجودية البدوية على فكرة"الإنسان الأوحد"وتقارن بين هذه الفكرة الوجودية وبين ما يتردد لدى أصحاب التصوف الفلسفي عن"الإنسان الكامل".

النسخة الثالثة:

الحسنفية"الفيورباخية و"السبينوزية": يُعتبر المشروع الحسنفي [ نسبة إلى حسن حنفي ] نسخة ملفقة من مجموعة فلسفات غربية أبرزها الفيورباخية، والسبينوزية، والهوسرلية - نسبة إلى هوسرل - والشبنغلرية - نسبة إلى شبنغلر - واللسنجية - نسبة إلى لسنج. والجانب البارز فيه من هذه الفلسفات هو النزعة الإنسية، والتركيز على الإنسان. ولكنه يحاول أن يُلوِّن نسخته العربية ويزركشها ببعض المنمنمات الإسلامية عن طريق استخدام الدين"كأيديولوجيا"لتحقيق مشروعه في الأنسنة""تحويل الوحي إلى إيديولوجية"".""تحويل الوحي ذاته إلى علم إنساني""ولذلك فالأثر الفيورباخي أكثر ظهوراً من غيره بشكل واضح حتى لقد وصف المشروع الحسنفي بأنه"مشروع فيورباخي تماماً منقول التطبيق من المسيحية إلى علم الكلام في الإسلام، وغايته الانتقال من علم الله إلى علم الإنسان.

سؤال:

ما خطورة الأنسنة على الثوابت العقدية ؟

ليس من المهم أن نكتشف مدى الاجترار العلماني وخطورته، وإنما المهم أن نلاحظ أن مصادمة الثوابت هي السمة البارزة لهذا الاجترار، فكأن الغربيين اختُزلت جهودهم النهضوية في هذه السمة ولا يوجد غيرها، لتنقل إلينا كمشاريع للإصلاح والنهضة بكل ما تتضمنه من استفزاز، وتثيره من رفض، ولا يقف الأمر عند حد الاستيراد للمشاريع الآنفة الوصف، وإنما لا بد من تطعيمها بجذور تراثية يتم التنقيب عنها في طبقات رسوبية بعيدة القعر، وهي جذور ميتة في الأساس، ولكن يراد لها أن تُسقى وتُهيأ لها التربة وتُستنبت من جديد لكي ترفد الفلسفات الإلحادية المستوردة.

ولذلك نجد أن أبرز من يمثل النزعة الإنسية في تاريخنا عند دعاتها المعاصرين هم ثلة من الزنادقة والمُجَّان الذين ظهروا ثم اندثروا في الحضارة الإسلامية من أمثال بشار بن برد، وابن الراوندي، والرازي، وأبي نواس، ويُقدَّم هؤلاء على أنهم قادة الفكر والحرية والممثلين الحقيقيين للنزعة الإنسية في الفكر العربي، لأنهم جعلوا الإنسان مركز الوجود، وأعلوا من شأن العقل وفاعليته.

وكانوا - بنظر الخطاب العلماني - ثواراً إنسانيين في مواجهة الإسلام الذي يعتبرونه ضد الثورة، ولا يسمح بها، تلك الثورة التي تعني تغييراً في نظرة الإنسان إلى الكون والحياة.

وفي هذا الإطار يدعونا هؤلاء إلى أن نفهم أهمية ثورة الزنج والقرامطة فقد كانت ثورة ضد الظلم والقمع والاضطهاد، كانت ثورة لتوليد الشروط الملائمة لحياة الإنسان. وهو ما يعني - بنظرهم - نفي النبوة الإسلامية، وإقامة نبوة على أنقاضها، وإقامة دين العقل، ودين الإنسان. ولم يعد الدين هبوطاً ليس للإنسان فيه إلا دور التلقي، بل أصبح صعوداً للإنسان فيه دور الإبداع""الدين للإنسان، وليس الإنسان للدين"".

وهكذا كان الرازي وابن الراوندي مؤسِّسيَن للعقل مكانه بديلاً للوحي، ومؤسِّسَين لحرية الإنسان وممهدين للتحرر من الانغلاقية الدينية. ومثلهما مسكويه والتوحيدي عند أركون في ترسيخ الأنسنة، باعتبارها موقفاً نضالياً ضد نوعين من العنف يمارَسان ضد الإنسان على مدى تاريخه: عنفٌ مقدس يخلع المشروعية على ذاته من خلال التعاليم الإلهية للأديان والتي لم تتعرض بعد للنقد العلمي. وعنف مادي أو دنيوي: محض يشكك في قدرة الإنسان على تحسين طبيعته البشرية. وعلى ذلك فالموقف الإنسي يمثل مقاومة الإنسان لكل ما يريد أن يسحق إنسانيته وحريته. فالعقل لوحده قادر بنفسه وبإمكانياته الخاصة على تحقيق التقدم للبشرية. وفهم كل الأشياء والسيطرة عليها، وهو جدير أيضاً بمخاطبة الإله وطرح الأسئلة عليه.

ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بإلغاء النبوة، ومن هنا يحرص الخطاب العلماني على الإشادة بكلمة محمد إقبال في هذا الخصوص والتي يقول فيها:""إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على مِقْود يُقاد منه، وأن الإنسان لكي يُحصِّل كمال معرفته لنفسه، ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو"". فيُعتبر هذا النص بنظر الخطاب العلماني دعوة من الفيلسوف والشاعر الإسلامي إلى التحرر من النصوص واستقلال الإنسان بشكل مطلق، وإنهاء أي مصدر آخر للمعرفة خارج الإنسان ومؤهلاته الذاتية، وإيذان بانفتاح عهد جديد في وجه البشرية قاطبة وقد بلغت سن الرشد لكي تتحمل مسؤولياتها، وتبعات اختياراتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت