فهرس الكتاب
وبذلك يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد ختم النبوة ليقضي على التكرار، والاجترار ليفتح المجال للمستقبل الذي يبنيه الإنسان مع أبناء جنسه في كنف الحرية الذاتية والمسؤولية الفردية والتضامن الخلاق.
من الواضح أن أهم ملمح تؤكد عليه النزعة الإنسية هو إنكار أي معرفة خارج الإنسان"كالوحي أو الدين"وتحقيق الإنسان لقواه وقدراته الخلاقة واعتبار السعادة الإنسانية غاية في ذاتها لا تتطلب أي تبريرات خارج الإنسان"."
ولكن تحقيق الإنسان لقواه وقدراته الخلاقة لا يمكن أن يتم إلا بظهور"الإنسان الكوني"كما يأمل مراد وهبة، حيث يتمكن الإنسان من ناصية الكون والغيب، ويحصل ذلك عندما يكتمل الوعي الإنساني، ويتحد الإنسان بالكون وهو ما سيتحقق بنظر - وهبة - استناداً إلى قانونين:
-قانون النشوء والارتقاء.
-وقانون الانتقال من الكم إلى الكيف.
والفيزياء النووية هي بداية الخيط في تحكم الإنسان بالكون، وستسهم في بزوغ الإنسان الكوني. وغزو الفضاء يستلزم تعَوُّد الإنسان على الحياة في الفضاء، وهو من شانه أن يُحدث تغييراً جذرياً في الإنسان ينبئ ببزوغ نوع جديد يكون في مقدوره تمثل الأبعاد الأربعة للزمكان الذي تنبأ به أينشتاين، ومن شأن هذا التمثل أن يسمح للإنسان برؤية الأحداث قبل أن تقع فتزول غربة الإنسان في الكون.
وغربة الإنسان في الكون يعمقها الدين، وبالتحديد مقولة الفارق [أي الله عز وجل] التي تعني أن الله هو السيد، والإنسان هو العبد، وهو نقيض للأنسنة التي يرغب بها الخطاب العلماني.
لقد تفرغ فيورباخ لنقد هذا الاغتراب، ولكنه - بنظر مراد وهبة - غير مجدٍ لأنه على المستوى النظري لا يفضي إلى الحل، رؤية ماركس هي التي تؤدي إلى تحرير الإنسان من الاغتراب، لأنه يرى أن الإنسان هو الذي يصنع الدين وليس العكس، فالدين في حقيقته هو الوعي الذاتي للإنسان. والدولة والمجتمع هما اللذان يصنعان الدين: الوعي المقلوب للعالم، ولهذا فإن النضال ضد الدين هو نضال بطريق غير مباشر ضد اغتراب الإنسان.
سؤال:
أرجو التكرم بتلخيص ما سبق.
بناءً على ما أوجزناه سابقاً من تاريخ الأنسنة في الفكر الغربي، ثم انتقال ذلك إلى الفكر العربي الإسلامي لعلنا نستطيع أن ندرك بسهولة أن المداخل التي يستند عليها الخطاب العلماني لقراءة النص القرآني قراءة"تاريخية"هي بالفعل مداخل أو أسس وهمية، وأن الأساس الحقيقي هو النزعة الإنسية التي بالغت في تمجيد العقل الإنساني، وإحلاله محل الوحي والإله سبحانه وتعالى، ومما ساعد على سرعة انتشار هذه النزعة الإنسية وتفاقمها اكتشافات الإنسان المتلاحقة للكون، وبروز قدرات خارقة أنجزها العقل الإنساني كانت أقرب إلى الخيال في العصور السالفة، وهو ما أصاب الإنسان بغرور شديد وصلافة وغطرسة، وأبرز ما تجلى ذلك في تعامله مع المقدسات والمطلقات، وخصوصاً النصوص الدينية.
إن قراءة النص المقدس والقرآن الكريم كمثال - في داخل هذا المنظور - يجب أن تتخلص من كل المعايير والضوابط التي تحول دون مراد الإنسان أياً كان هذا المراد، وكما صرح بذلك الخطاب العلماني فإن الهدف الأساسي هو التحرر من سلطة النصوص، ومن المعلوم أن النصوص ليست شيئاً يقيد الإنسان إلا من خلال مضامينها وما تطرحه من رؤى متضمنة في داخل لغة بشرية يفهمها الإنسان، ومن هنا يجب قبل كل شيء، إزاحة اللغة كمعيار وضابط يحول دون تحقيق الإنسان لمراده، وطرح بدائل جديدة تكون أكثر مرونة ومتحررة من المعايير كالمقاصد، والمقاصد المرادة هنا هي ليست مقاصد الخالق عز وجل وقائل النص، وإنما مقاصد الإنسان ومراداته، وأهدافه وغاياته، ومما يرفد ذلك أيضاً المنهج الأدبي حيث يقلل من معيارية اللغة وضبطها للمعاني، لأنه في المنهج الأدبي يحتل المجاز دوراً قبل الحقيقة، ولا يشترط لاختياره تعذر الحقيقة أصلاً، وتصبح الكلمات رموزاً وإشارات يقوِّلها الإنسان ما يشاء.
وهكذا كما ألح الخطاب العلماني يصبح القرآن بالفعل لا يقول شيئاً، ويقول كل شيء، والعبارة في الحقيقة إذا أردنا أن تكون دقيقة فالمقصود أن القرآن لا يقول شيئاً لا يرغب به الإنسان، ويقول كل شيء لكل إنسان، فهو فضاء لكل إسقاطات الإنسان ورغباته وفكرانياته. ويصبح القرآن بذلك عجينة يُصنع منها ما يشاء من الأشكال والألوان، وتصبح مهمة القرآن في كل هذه الحالات ليست مهمة معيارية قيادية تربوية، وإنما مهمة ترويجية تبريرية، وعلى كل إنسان أن يختار معتقده وسلوكه أولاً ثم يبحث في القرآن عما يبارك له في ذلك، وهو ما لن يُعدمَه إذا ما أحسن استخدام المداخل الآنفة التي يسلكها الخطاب العلماني.
وهكذا يبدو لنا بوضوح أن الأنسنة تعتبر ركيزة أساسية أولى في تحقيق القراءة التاريخية التي يتوخاها الخطاب العلماني للنص القرآني ولكي نزيد الأمر وضوحاً سننظر في انعكاسات هذا المنزع الإنسي على النظرة العلمانية إلى الوحي.
سؤال:
ما يهمنا هنا في ملتقى أهل التفسير، هو الوحي. ولنبدأ من الجذور الفلسفية لموقف العلمانيين من الوحي.