فهرس الكتاب
إن الهاجس الأساسي الذي يسيطر على الخطاب العلماني الوضعي هو استبعاد أي تفسير مفارق للوحي، وإقصاء أي مفهوم غيبي أو سماوي، وهو ما يعني قبول كل مفهوم يكرس بشرية الوحي، ويؤكد على"وضعانيته"وإنسيته حتى لو اقتضى ذلك مناطحة الحقائق ومشاكسة البدائه.
الوحي عند علماء المسلمين هو إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي أو هو كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه. أو هو أن يُعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر.
والمقصود بالوحي الذي نتحدث عنه هنا هو وحي الله عز وجل إلى أنبيائه فليس حديثنا عن أنواع الوحي الأخرى، والتي تُفسَّر بحسب سياق الآيات أو قرائن الأحوال كالوحي إلى النحل أو الوحي إلى مريم عليها السلام، أو إلى أم موسى عليهم السلام جميعاً.
وأما عند الفلاسفة فالوحي:""إلقاء خفي من الأمر العقلي بإذن الله تعالى في النفوس البشرية المستعدة لقبول مثل هذا الإلقاء"". أو هو""إفاضة العقل الفعال على العقل المنفعل بتوسط العقل المستفاد ". وعند الشيخ محمد عبده الوحي هو""عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة""."
-مكمن الخطأ:
في التعريفات السابقة ثلاثة مصطلحات يمكن أن يستند إليها الخطاب العلماني في تأكيد ه على كسبية النبوة ومن ثم أنسنة الوحي.
الأول: الاستعداد النفسي لقبول وتلقي الوحي في تعريف ابن سينا يغيب الإرادة والاصطفاء الإلهيين"اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ" [الأنعام: 124] ،"اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" [الحج: 75] . لأن التعريف لم يشِر إلى الإعداد والاصطفاء الإلهي لأنبيائه.
الثاني: الإفاضة في تعريف الفارابي، بالإضافة إلى تغييب مُنزِّل الوحي سبحانه وتعالى لأن العقل الفعال في المنظور الفلسفي يقوم مقام جبريل عليه السلام وليس مقام الباري عز وجل، إذا افترضنا أن ذلك صحيحاً.
الثالث: العرفان في تعريف الشيخ محمد عبده يُقرِّب الوحي من الإيحاء النفسي والوحي الشعوري.
إن الخطاب العلماني استند على هذه العناصر وعلى كل ما يبرر له القول بكسبية النبوة من أجل أن يطرح نظرياته الإنسية في الوحي، فوجد في الموقف الفلسفي من النبوة ما يخدم أطروحاته، لأن النبوة في الرؤية الفلسفية تستند على المخيلة، بينما الفلسفة تستند على العقل وهو ما يلزم منه أن النبوة أدنى من الفلسفة، وهو ما رأيناه سابقاً عند كلٍ من سبينوزا وحسن حنفي.
وإذا كان عدد من المستشرقين قديماً وحديثاً قد اعتبر الوحي الذي يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم حالة مرضية بعضهم وصفها بالهستريا، وبعضهم وصفها بالصرع ثم بدأوا يتخلون عن ذلك منذ بداية القرن العشرين أمام الانتقادات التي وُجِّهت إليهم من داخل مدرستهم فإن بعض الباحثين العرب لا بد وأن يُعبروا عن استلابهم للآخر حتى وإن كانت أفكاره تعتبر من نفايات الفكر وحثالاته.
ومن هؤلاء هشام جعيط الذي يحلو له أن يردد مقولات فرويد وماكس فيبر حول النبوة فيعتبر الأنبياء مطبوعين بشيء من العصاب، ويعتبر حالة النبي صلى الله عليه وسلم التي يعيشها أثناء الوحي من النمط الاستلابي أو الاستحواذي أو الامتلاكي. وهي حالة مرضية تُصنَّف في الأمراض النفسية، ولكنه يرى أن حالة الرسول صلى الله عليه وسلم المرضية هذه حالة متحضرة إذا ما قورنت بأنبياء بني إسرائيل في نوباتهم العصبية، لأن ما كان يمس محمداً صلى الله عليه وسلم كان يجري - بنظر جعيط - في داخل الضمير فلا يُبرهَن عليه بأي اضطراب خارجي.
ثم يجعل - جعيط - الجنون أصلاً للوحي، والجنون في القرآن - بنظره - لا يعني الاختلاط العقلي وذهاب العقل والتمييز، وإنما يعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم مسكون من الجن !!.
والأنبياء اقتربوا من الجنون دون الوقوع فيه.
والوحي هجوم مباغت داخل الضمير.
والاستلاب والامتلاك والاستحواذ مفردات غريبة يصف بها حالة النبي صلى الله عليه وسلم أثناء تَنزُّل الوحي عليه. والهلس والهلوسة - بنظره - تفسير صحيح للوحي في الغرب نادى به ماكس فيبر وهذا التفسير سينتشر يوماً بين المسلمين فيسبب لهم تشنجاً.
سؤال:
يبدو التقارب بين نظرة كثير من المستشرقين إلى الوحي، ونظرة العلمانيين، ما رأيكم ؟
نعم، وقد عبَّرتُ عن ذلك التقراب بالأنسنة والوحي الشعوري عند النسخة الاستشراقية والمُسخة العلمانية:
وسبب التعبير هنا بكلمة (مُسخة) ؛ لكي تفيد أنها نسخة مشوهة للخطاب الاستشراقي