فهرس الكتاب
ومع أن نسخ الوحي المتلاحقة والرسالات المتتابعة لا تحمل تغييراً جذرياً - كما يزعم الخطاب المذكور - إلى الكون لأنها في الأصل نسخة واحدة من حيث القضايا الكونية والمصيرية المشتركة للإنسان، والتغيير لا يمس إلا التفاصيل التشريعية، وبعض الأحكام، إلا أن الخطاب العلماني يريد أن يبقى الباب مفتوحاً لتعديل العهد والميثاق، يريد أن تظل اتفاقيات السلام بينه وبين خالقه دائماً مفتوحة وفي نقطة الصفر، ودائماً قابلة للمراجعة والتغيير، وغير خاضعة للحسم والإلزام ليظل التنزيل متواصلاً من داخل الإنسان فـ""التنزيل هو ورود هكذا يُكوِّن معنى غير معهود، يفتح إمكانات غير محدودة أو متواترة بدلالاتها على الوجود الإنساني، وردوده إلى الحيِّز الداخلي للإنسان إلى قلبه"".
هذا الورود لا يمكن أن يُفهم منه أن الوحي هابط من الأعلى إلى الإنسان لأن هذا سيُخرج أشكالاً كثيرة من الوحي يقول أركون:""إن تعريفنا للتنزيل له هذه المزية، ويجعله يفسح المجال لتعاليم بوذا وكونفوشيوس وحكماء إفريقيا وجميع الأصوات العظمى التي تحمل تجربة المجموعة البشرية الجماعية لتُسقطَها على مصائر جديدة، ولتغني التجربة الإنسانية للألوهية"".
في هذا النص السابق يلتقي كل من حنفي وأركون في اعتبار الوحي والألوهية كلتاهما تجربة بشرية إنسانية تخضعان لإرادة البشر ومطالبهم فالوحي""تركيبة اجتماعية لغوية مُدعّمة من قبل العصبيات التاريخية المشتركة""،""وهذا هو معنى الوحي الذي يهبط كلما وجه النبي صلى الله عليه وسلم بقرار منه المستقبل الروحي للجماعة"".
ويلتقيان كذلك في اعتبار الوحي تجربة شعورية""إن الوحي حدوث معنى جديد في الفضاء الداخلي للإنسان، القرآن يقول: في القلب، وهذا المعنى يفتح إمكانيات لا نهائية أو متواترة من المعاني بالنسبة إلى الوجود البشري"".
وهكذا يصبح الوحي في النصوص السابقة شاملاً لكل خواطر الإنسان وهواجسه ومشاعره ما دامت تحدث في القلب الفضاء الداخلي للإنسان، وشاملاً لكل جهود المصلحين عبر التاريخ من بوذا إلى كونفوشيوس وربما أركون وحنفي، فالنبوة ليست بالضرورة أن تكون علاقة مخصوصة بالله عز وجل وليست بالضرورة ذات طابع ديني ففي الشعر نبوءة، وهذا شاعر كأدونيس يذهب إلى أنه نبي وثني، والقرآن شكل من أشكال النبوءة.
وبذلك يصبح الوحي في الخطاب العلماني""أوسع من أن يحصره معتقد أو تستنفده قراءة""أي يتحول إلى مفهوم غائم مُشْكِل كما أراد الخطاب العلماني لكل إنسان الحق في أن يعبر عنه كما يشاء ويفهمه كما يريد، ويقرأه كما يحب، ويعتقده كما يحلو له.
هذه الرؤية الأركونية تحظى بالقبول المطلق لدى تلاميذه المُستَلبين لظاهرة الحداثة، والمنبهرين بالجديد أياً كان مضمونه ومحتواه، وهو ما يعبر عنه أحد هؤلاء التلاميذ بقوله:""هكذا وبهذا الفهم التاريخي والنقدي للوحي يكون أركون قد تجاوز الفهم السائد للوحي بما هو نص مكتوب مغلق ونهائي الدلالة، وهو بذلك يؤكد على فاعلية العقل في فهم ظاهرة الوحي، ويجعل من النص الديني مفتوحاً ولا نهائي الدلالة، ويُخرج النص من الفهم الضيق المنغلق اللاتاريخي الذي تكرسه الثقافة الرسمية عادة والمحافظة، نظراً لفراغها الداخلي معرفياً وعدم قدرتها على الإضافة النوعية التي تتطلبها شروط اللحظة التاريخية لتفاعل النص الديني مع الواقع تفاعلاً حوارياً إيجابياً، ومنتجاً حضارياً وثقافياً"".
ويضيف التلميذ المخدَّر:""هكذا نتبين مدى تاريخية القراءة الأركونية للنص القرآني باعتباره وحياً منزَّلاً من قبل الله، وبالتالي مدى علمية هذه القراءة باعتبارها قراءة مفتوحة، ونقدية، وليست قراءة منغلقة ودوغمائية نهائية وأبدية الدلالة"".
في النصين السابقين تتسارع الأحكام الجزافية المطلقة التي لا تستند إلى دليل أو برهان كقوله: بأن الفهم السلفي السائد والمستقر للوحي هو فهم منغلق ونهائي الدلالة، وهو غير صحيح فالفهم السلفي ليس منغلق الدلالة، كما أنه ليس لا نهائي الدلالة، وإنما منضبط الدلالة، فلا بد لكل دلالة من دليل وضابط حتى لا يصبح العبث واللعب هو الغاية من القراءة.
ولكن تتواتر الأوصاف الشاتمة والأحكام التسفيهية للفكر السلفي السائد والمستقر فهو فكر جامد، محافظ، ضيق، منغلق، لا تاريخي، فارغ معرفياً، غير قادر على الإضافة. أما الفكر الأركوني فيُحاط بهالة من التقديس والتمجيد فهو فكر تاريخي، نقدي، متفاعل مع الواقع، مفتوح على كل المعاني، قادر على الإضافة، علمي القراءة، كل ذلك لأنه تجاوز الفهم السائد والمستقر للوحي، فقد أصبح كل ما هو سائد ومستقر سُبَّة في منظور الحداثة والحداثيين. إنها الفاشية المعاصرة.
سؤال:
حدثنا باختصار عن خلاصة الموقف العلماني من الوحي.
يمكننا الآن أن نوجز الموقف العلماني من الوحي بالعناصر التالية:
-الوحي هجوم مباغت داخل الضمير، والجنون يمكن أن يعتبر أصلاً للوحي، والنبوة مطبوعة بشيء من العصاب.
-الهلس والهلوسة تفسيرات صحيحة للوحي ستسود ذات يوم في الفكر الإسلامي.