فهرس الكتاب
-الوحي يبدأ من اللاشعور، ثم يتحول إلى واقعة شعورية.
-الوحي حدوث معنى في الفضاء الداخلي للإنسان.
ومن الواضح أن هذه العناصر جميعاً ترد الوحي إلى الحيِّز الإنساني الوضعي، وتسعى جاهدة لجعل الوحي نابعاً من ذات الإنسان، وليس نازلاً عليها من المطلق المفارق""إنه حالة استثنائية يغيب فيها الوعي، وتتعطل الملكات ليبرز المخزون المدفون في أعماق اللاوعي بقوة خارقة لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم على دفعها ولا تتحكم فيها إرادته"".
إنه ليس واقعة خارجية منفصلة عن ذات النبي صلى الله عليه وسلم لأن""العلم الوضعي العقلاني لا يمكن له أن يقول بحقيقة تجلي كائن ميتافيزيقي كحقيقة موضوعية"". لماذا !؟ لأنه عندئذ""عليه أن يعتبر أنه موجود فعلاً""بينما الوحي""ظاهرة دينية فحسب معطاة من التاريخ والعقلانيون لا يؤمنون بواقعيته الفعلية هذا شأن المؤمن وليس شأن العالم أو الفيلسوف"".
ولأننا إذا اعترفنا بالوحي كما هو في المفهوم السلفي السائد المستقر فإن ذلك سيدفعنا إلى الاعتراف باستمرارية الإسلام وفاعليته من خلال القدوة النبوية""ولكننا لا نستطيع العودة إلى النموذج النبوي لأننا أصبحنا نرى بوضوح تاريخيته واندماجه في الأنماط العابرة لإنتاج المعنى داخل التاريخ"".
سؤال:
بعد كل الإشكالات المطروحة من الفكر العلماني حول الوحي، كيف ننقضها ؟
في البداية: من حقنا أن نسأل هنا:
هل حقق العلمانيون الزحزحة المرادة أم أنهم يجترُّون كل ما ردده فلاسفة الغرب ومستشرقوهم حول الوحي، وأن التجديد الذي يزعمون أنهم يمارسونه ليس أكثر من عملية نقل أو سطو على ما هو شائع في الثقافة الغربية الوضعية وعرضه في الساحة الثقافية العربية والإسلامية على أنه إبداع أصيل ؟
في الواقع لم يختلف الموقف العلماني عن الموقف الاستشراقي في هذا الصدد فلقد اتفق جل المستشرقين قديماً وحديثاً على أن الوحي لا يمكن أن يكون واقعة مستقلة عن كيان الرسول صلى الله عليه وسلم ونفسيته أو شعوره، وإن كانت اختلفت تعبيراتهم وصياغاتهم في ذلك فهو لدى بعضهم نوع من أنواع الصرع، ولدى آخرين نوع من أنواع الهوس، أو الهلوسة، أو الهذيان أو الاستبطان، أو الهستريا العصبية، أو الشعور الداخلي، أو التصوف العميق.
والمتأمل في الرؤيتين الاستشراقية والعلمانية يجد أنهما انعكاس للفلسفة المادية الوضعية التي كرّسها فلاسفة النهضة الأوربيين منذ ديكارت وسبينوزا إلى فيورباخ وماركس، ثم فلسفة الحداثة المعاصرة. لقد قال سبينوزا: يختلف الوحي عند الأنبياء تبعاً لمزاجهم وبيآتهم واحوالهم، فالنبي الفرح توحي إليه الحوادثُ السلامَ، والانتصارتِ، والنبي الحزين توحي إليه الشرورَ، والهزائم، والأحزان. فكان الصدى من د.حسن حنفي: الوحي عبارة عن مواقف إنسانية زاخرة بالأمل والمعاناة والجهد والفرح والألم وتجارب النفاق، والخداع، إنه قلقٌ وضيقٌ، وأملٌ وألمٌ وتوجعٌ يحس به الفرد. وكان الصدى من أركون""الأنبياء كالشعراء والكبار، و""كالفنانين الكبار"". وكان الصدى من نصر حامد أبو زيد""فإن الأنبياء والشعراء والعارفين قادرون دون غيرهم على استخدام فاعلية المخيلة في اليقظة والنوم على سواء، وليس معنى ذلك، التسوية بين هذه المستويات من حيث قدرة المخيلة وفاعليتها، فالنبي يأتي من دون شك في قمة الترتيب، يليه الصوفي العارف ثم يأتي الشاعر في نهاية الترتيب"".
والآن يمكننا القول بأن الرؤى العلمانية والاستشراقية التي عرضناها حول الوحي لم تأت بجديد حول مفهوم الوحي أو الاعتراض عليه، وإنما هو تكرار لمواقف المشركين المُحتارة والمضطربة في معارضة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان ثمة جديد فهو الصياغات التي تُعرَض بها التفسيرات الحديثة:
-فلقد قال المشركون شاعر، وقال المُحدَثون - مستشرقون وعلمانيون - شعور داخلي.
-وقال المشركون: مجنون، وقال المُحدَثون: صرع أو هلوسة، أو هوس.
-وقال المشركون: ساحر، وقال المُحدَثون: عبقري.
-وقال المشركون: كاهن، وقال المحدَثون: مصلح اجتماعي أو قائد فريد.
-وقال المشركون: أضغاث أحلام، وقال المحدثون: هذيان أو استبطان.
-وقال المشركون: بل افتراه، وإنما يعلمه بشر، وقال المحدثون، تعلم من بحيرا، أو من أهل الكتاب.
ثم تخلى كثير من المستشرقين عن افتراءاتهم. وسلموا بأن محمداً صلى الله عليه وسلم أسمى من كل ذلك وأن واقعة الوحي أجل من كل ما عرضوه من تخمينات أو تخرصات، ولكن العلمانيين لأنهم جاؤوا متأخرين فإنهم يحتاجون إلى بعض الوقت ريثما تزول الغشاوة عن العيون، وتنكشف الحقائق من بين الظنون"كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ" [الرعد: 17] .