فهرس الكتاب
وهكذا بقي أن الوحي كلام الله عز وجل نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغه إلى الناس، والله عز وجل هو الخالق لهذا الكون بما فيه، وجبريل عليه السلام ملَك وخلْق من خلْق الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر اختاره الله جل شأنه واصطفاه ليكون للناس بشيراً ونذيراً. فأين العجب في كل هذا ؟ وأين المحال ؟ ولماذا يكابر الناس ويجحدون ويتبرمون ؟
حقيقة الوحي كما هيأه الله عز وجل وأراده، تنقض المقولات العلمانية:
لقد فوجئ صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينيه - بعيني رأسه - وهو يقول له: إقرأ حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمراً ذاتياً داخلياً مردُّه إلى حديث النفس المجرد، وإنما هي استقبال وتلق لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس، وداخل الذات، وضمَّه الملَك ثلاث مرات حتى بلغ منه الجهد، أي حتى ضاق به نفسه صلى الله عليه وسلم قائلاً في كل مرة: إقرأ، ليؤكد أن هذا الذي يراه ليس خيالاً أو شعوراً، وإنما هو حقيقة يُحس بها في ثنايا جسده، ويرى أثرها في أعضاء جسمه، ولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى حتى أنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائداً إلى بيته يرجف فؤاده، لكي يتضح لكل مفكر عاقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن منتظراً رسالة أو متشوفاً أو متشوّقاً إليها، ولم تكن خاطرة له على بال، وإنما طرأت طروءاً مفاجئاً ومثيراً على حياته دون أي توقع، ولا شك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكون في نفسه بطريقة الكشف التدريجي المستمر عقيدة يؤمن بالدعوة إليها.
ثم إن شيئاً من حالات الإلهام أو حديث النفس، أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية لا يستدعي الخوف والرعب واصفرار اللون، كما أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغير اللون كل ذلك من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها، حتى لو فرضنا إمكان صدور المخادعة والتمثيل منه صلى الله عليه وسلم ، وفرضنا المستحيل من انقلاب طباعه المعروفة قبل البعثة من الصدق والأمانة إلى عكس ذلك تماماً.
ويتجلى مزيد من صورة المفاجأة المخيفة لديه صلى الله عليه وسلم في توهمه بان هذا الذي رآه ووعظه وكلمه في الغار قد يكون طائفاً من الجن إذ قال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر،"لقد خشيت على نفسي"ولكنها طمأنته بأنه ليس ممن يطولهم أذى الشياطين والجان لما فيه من الأخلاق الفاضلة، والخصال الحميدة، وقد كان الله عز وجل قادراً على أن يربط على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم ويطمئن نفسه بأن هذا الذي كلمه ليس إلا جبريلاً عليه السلام، ملك من الملائكة جاء ليخبره الخبر بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس، ولكن الحكمة الإلهية الباهرة اقتضت إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وشخصيته بعدها، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستبطن شيئاً من الرغبات والآمال، ولم يكتنز صنوفاً من المشاعر أو الأحزان، ثم بدأ يعبر عنها بشكل مفاجئ الآن.
أما انقطاع الوحي بعد ذلك وتلبثه أشهراً أو أكثر على الخلاف المعروف فيه فينطوي على مثل المعجزة الإلهية الرائعة إذ في ذلك أبلغ الرد على الذين يفسرون الوحي بأنه إشراق نفسي، أو استبطان داخلي انبعث من أعماق ذاته نتيجة طول التأمل والتفكير.
لقد شاء الله عز وجل أن يحجب عنه الملَك الذي رآه لأول مرة في غار حراء مدة طويلة وأن يستبد به القلق من أجل ذلك، ثم يتحول القلق لديه إلى خوف في نفسه من أن يكون الله عز وجل قد قلاه بعد أن أراد تشريفه بالوحي والرسالة لسوء قد صدر منه، حتى لقد ضاقت الدنيا عليه، وراحت تحدثه نفسه كلما وصل إلى ذروة جبل أن يلقي بنفسه منها، إلى أن رأى الملَك جبريل عليه السلام مرة أخرى.
إن هذا الانتظار الحزين ثم ما تلاه من ابتهاج مفاجئ كانا في الواقع الظرفين النفسيين لتلك الحالة من الفيض العقلي لم تعد تخطر معه ظلال الريبة أو الشك. إن هذه الحالة التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعل مجرد التفكير في كون الوحي إلهاماً نفسياً أو شعوراً داخلياً ضرباً من الجنون، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمله بمثل هذه الأحوال.