فهرس الكتاب

الصفحة 5711 من 27364

فلا يمكن للاختلاط أو الهلوسة أن تؤدي أصواتاً وأمراً: إقرأ، ثم ينتج عن ذلك قرآن مفهوم بكلام فصيح يُتلى على الناس فيبهر أسماعهم، وعقولهم، وممن ؟ من أمي لم يتعلم القراءة والكتابة ولم يحاولهما وتتواتر الآيات:"إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً" [المزمل: 5] ."وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى.." [النجم:1] لكي تفرض الحقيقة العلوية للوحي نفسها فرضاً على العقل الوضعي، فكل ما يراه وما يسمعه وما يشعر به وما يفهمه يتفق الآن مع حقيقة واضحة تماماً في ذهنه جلية في عينيه هي: الحقيقة القرآنية. وسيتابع الوحي نزوله بسور القرآن سورة سورة، فتتزاحم في وعيه الحقائق التاريخية والكونية والاجتماعية التي لم يسبق أن سُجِّلت في صفحة معارفه بل حتى في معارف عصره واهتمامه.

وكل ذلك يؤكد أن الوحي حقيقة خارجية منفصلة عن ذاته صلى الله عليه وسلم ولا خيار فيها، وإنما تفاجئه في أي وقت وبغير ميعاد، ويتفاعل معها جسمه وعقله وضميره ووجدانه ليؤدي الرسالة كما تصله، ويبلغها كما سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والآن قس هذه الأحوال التي ترافق نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الاحتمالات التي قلّبها المُغرضون واقترحها المُرجفون فهل تستقيم مع واحد منها، وتأمل في تلك الحيرة التي لا تصدر إلا عن عازم على المكابرة والجحود، قاصد إغماض العين عن الحقيقة حتى لا تبهر عينه""فانظر كم قلبوا من وجوه الرأي في هذه المسألة ؟ حتى أنهم لم يقفوا عند الحدود التي يمكن افتراضها في كلامٍ رصينٍ كالقرآن، وفي عقلٍ رصينٍ كعقل صاحبه، بل ذهبوا إلى أبعد الأحوال النفسية التي يمكن أن يصدر عنها كلام العقلاء والمجانين، إن ذلك لمن أوضح الأدلة على أنهم لم يكونوا يشيرون بهذا الوجه أو ذاك إلى تهمة محققة لها مثار في الخارج أو في اعتقادهم، وإنما أرادوا أن يُدلوا بكل الفروض والتقادير مُغضِين على ما فيها من محالٍ ونابٍ ونافرٍ ليثيروا بها غباراً من الأوهام في عيون المتطلعين إلى ضوء الحقيقة، وليلقوا بها أشواكاً من الشك في طريق السائرين إلى روض اليقين"".

""ولقد نعلم أنهم في قرارة أنفسهم غير مطمئنين إلى رأي صالح يرضونه من بين تلك الآراء، وأنهم كلما وضعوا يدهم على رأي منها وأرادوا أن ينسجوا منه للقرآن ثوباً وجدوه نابياً عنه في ذوقهم، غير صالح لأن يكون لبوساً له، فيفزعون من فورهم إلى تجربة رأيٍ ثان، فإذا هو ليس بأمثل قياساً مما رفضوه فيعمدون إلى تجربة ثالثة... وهكذا دواليك ما يستقرون على حالٍ من القلق، فإن شئت أن تطلع على هذه الصورة المضحكة من البلبلة الجدلية فاقرأ وصفها في القرآن"بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُون" [الأنبياء: 5] . فهذه الجملة القصيرة تمثل لك بما فيها من توالي حروف الإضراب مقدار ما أصابهم من الحيرة والاضطراب في رأيهم، وتريك من خلالها صورة شاهد الزور إذا شعر بحرج موقفه كيف يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، وكيف تتفرق به السبل في تصحيح ما يحاوله من محال"""انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا" [الإسراء: 48] .

عودة إلى مصطلحاتهم

سؤال:

لننتقل إلى موضوع آخر: أرجو التكرم بإعادة توضيح أبرز مصطلحاتهم التأويلية التدويلية ( أقصد بكلمة تدويلية"ترويجية") .

يتداول الخطاب العلماني مصطلح الهرمينوطيقا، وأحياناً القراءة وأحياناً المقاربة وأحياناً التأويلية الحديثة وأحياناً التأويل وهي مصطلحات يُراد بها أحياناً معنى واحداً وأحياناً تختلف المعاني بحسب السياق الذي يُتحدَّث فيه.

ويُستغَل مفهوم التأويل لكونه مفهوماً إسلامياً قرآنياً وتراثياً كمدخل إلى الهرمينوطيقا، وذلك من أجل قراءة النص قراءة جديدة أو معاصرة أو تنويرية أو غنوصية أو غير ذلك، ومن ثَم تصبح المعاني القرآنية المستقرة، والأصول الثابتة، والأفهام السلفية الراسخة والمعلومة من الدين بالضرورة والمجمَع عليها أفهاماً تاريخية خاضعة للتجديد والتغيير والمعاصَرة، لتحِل محلَّها معاني أكثر تطوراً وأكثر ملاءمة للعصر.

-تعريف الهرمينوطيقا:

""الهرمينوطيقا هي فن كشف الخطاب في الأثر الأدبي"". كما""تعني تقليدياً فن تأويل النصوص المقدسة الإلهية أو النصوص الدنيوية البشرية، وهي كذلك مساوية للتفسير أو للفلولوجيا بما هي تفسير حر في أو نحوي وصرفي لغوي لبيان معاني الألفاظ والجمل والنصوص، وهذا ما يعرف بالتفسير اللفظي"".

وهو مصطلح مستخدم في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت