فهرس الكتاب

الصفحة 5714 من 27364

فالعرف أو الاصطلاح هو الذي يُقر للعلامة بدلالتها لأنه ما من دال إلا وكان يمكن استبداله بدال آخر. فالقواعد أو المواضعات المنظمة والضابطة لمعنى القضايا اللسانية ترجع في أصلها إلى طبيعة اجتماعية أو إلى عرف الجمهور، ولذلك فقيام كل فرد بإنشاء لسان خاص لنفسه يقضي على ضرورة التواصل بين الناس، لأن اللسان ليس ملكاً مخصوصاً، والقواعد اللسانية هي قواعد مشتركة بين الجمهور.

ولذلك حتى عندما تكون اللغة أو أي من الدلائل رمزاً، يجب أن تكون خاضعة لنظام بحيث يكون كل رمز يقابله معنى معين. ومن هنا فإن قواعد التواصل هي الاتفاقات التي يجب مراعاتها عند إرادة الوصول إلى الغرض والقصد والتواصل، وكل ذلك يكوِّن الخاصية اللسانية لتلك القواعد، وهي قضية بدهية لأننا نستخدم اللغة في إيصال أشياء مفرطة في التعقيد للآخرين. وهكذا فإن الاتفاق والتواطؤ والمواضعة الكائنة نتيجة الاستعمال هو طريق التواصل والقصدية، وهو الدال على نوايا المتكلمين.

إن ما نريد أن نصل إليه هنا هو أن اللسانيات علم من علوم اللغة يقوم على النحو ويستند إليه. ويمكن لهذا العلم أن يكون حيادياً ويقوم بدوره في خدمة البحث اللغوي، وإثراء عمليات الاستدلال، إلا أن الأمر لم يسر على هذا النحو من حيث الواقع، ولم يوفَّق هذا العلم لذلك والسبب - بنظري - في غاية الخطورة وهو أنه نشأ وارتبط بتاريخ فلسفي يموج بالشك والعدمية واللاأدرية، وانعكس عليه ذلك في الدراسات التطبيقية إن على مستوى الدراسات الغربية أو على مستوى الدراسات العربية، فالخلفيات الفكرانية هي التي توظف هذا العلم بطريقة تخدم توجهاتها وأغراضها.

لقد أشرنا آنفاً إلى مكانة العلامة في اللسانيات السوسيرية، ونضيف هنا أن هذه العلامات تتكون بشكل اعتباطي كدوال على الأفكار. وهذه الفكرة - اعتباطية الإشارة - تقوم على التقاليد التجريبية التي كان ينادي بها جون لوك كما يرى آرت بيرمان، فلقد كان لوك يرى كما يرى سوسير أن أي صوت محدد يمكن استخدامه حتى تصبح الكلمة بشكل اعتباطي علامة على فكرة معينة، وهذه الرابطة التجريبية هي التي تُكسب اللسانيات السوسيرية سنداً علمياً.

ولكن الارتباط الأكثر يبدو بين اللسانيات واشهر المذاهب الفلسفية التي مهدت لها مثل ظواهرية هيجل، ومادية وماركس، ووضعية أوجست كونت 1798 - 1857م، واجتماعية دوركايم 1858 - 1917م فلقد كرست هذه المذاهب مَنزَعَين هما الوعي بنواميس الصيرورة التاريخية، والثاني البحث عن القوانين المتحكمة في نظام الظواهر عبر حركة التاريخ، وهما منزعان استوعبتهما العلوم اللغوية على أكمل وجه""فما أفاض فيه اللغويون من دراسات النحو المقارن كشفاً للقرابات اللغوية، وتصنيفاً للألسنة البشرية بين أسر وفصائل، وإحكاماً لشجرة الأنساب عن طريق التدرج السُلالي بحثاً عن الأصل الأوحد المصفى، إنما كان امتثالاً أميناً لتصور مبدئي يخص علاقة الإنسان بالوجود والكون والطبيعة والتاريخ، مما طفت فقاقيعه على سطح الوعي الفلسفي والاجتماعي""مرتبطاً""بظواهرية هيجل، ومادية ماركس، ووضعية كونت واجتماعية دوركايم، وتطورية داروين"".

وأبرز مظاهر الارتباط بين لسانيات سوسير والبيئة الفلسفية التي نشات فيها يمكن أن يظهر في العلامة، والعلامة اللغوية والرمزية بالذات، فلقد كانت الكلمة المفردة ممثلة لشيء محدد في الواقع الخارجي داخل رؤية جزئية، فأصبحت اللغة عبارة عن تراكيب وأنساق من مفردات لغوية ترمز لعمليات ذهنية في إطار رؤية سياقية. إنه تطور يعبر عن ابتعاد تدريجي عن الوضوح والشفافية الأولى التي كانت تتميز بها اللغة كما منحها الله عز وجل للبشر.

لكن الأمر لم يقف عند حد الابتعاد عن الوضوح، وإنما تحول فيما بعد على يد شتراوس وياكبسون ورولان بارت وميشال فوكو إلى ألغاز وشفرات، وتطور مفهوم العلامة إلى رمزية معقدة لا يمكن أن تعني شيئاً، ولكنها يمكن أن تعني كل شيء. وهو ما نريد أن نخلص إليه في هذه الفقرة، وهو أن مفهوم العلامة في اللسانيات أتاح أو استُغل لكي يصبح أساساً تُبنى عليه النظريات اللغوية اللاحقة كالبنيوية والتفكيكية التي تقرأ في النص كل شيء وهو ما سيقرأ العلمانيون من خلاله النص القرآني.

-البنيوية:

""جاء لفظ البنيوية من البنية، وهي كلمة تعني الكيفية التي شُيِّد عليها بناء ما، وبناء على ذلك أصبحت الكلمة تعني الكيفية التي تنتظم بها عناصر مجموعة ما، أي أنها تعني مجموعة العناصر المتماسكة فيما بينها بحيث يتوقف كل عنصر على باقي العناصر الأخرى، وبحيث يتحدد هذا العنصر بعلاقته بتلك العناصر، فالبنية هي مجموع العلاقات الداخلية الثابتة التي تميز مجموعة ما، بحيث تكون هناك أسبقية منطقية للكل على الأجزاء. وعلى هذا فالبنيوية تهتم بكشف الارتباطات القائمة بين البنيات المختلفة بعضها ببعض"".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت