فهرس الكتاب
و""تُعنى البنيوية في معناها الواسع بدراسة ظواهر مختلفة كالمجتمعات والعقول واللغات والاداب والأساطير، فتنظر إلى كل ظاهرة من هذه الظواهر بوصفها نظاماً تاماً، أو كلا مترابطاً، أي بوصفها بنية، فتدرسها من حيث نسق ترابطها الداخلي لا من حيث تعاقبها وتطورها التاريخيين، كما تُعنى أيضاً بدراسة الكيفية التي تؤثر بها بُنى هذه الكيانات على طريقة قيامها بوظائفها. أما في معناها الضيق والمألوف فالبنيوية محاولة لإيجاد نموذج لكلٍّ من بنية هذه الظواهر ووظيفتها، على غرار النموذج البنيوي للغة، وهو النموذج الذي وضعته الألسنية في أوائل القرن العشرين... ويمثل كتاب فرديناند دو سوسور"محاضرات في الألسنية العامة"نسخة باكرة من النموذج البنيوي للغة، أما محاولات تطبيق هذا النموذج على الأدب فتعود إلى عام 1928م حين وضع كل من جاكوبسون وتينيانوف برنامجاً بهذا الخصوص وكانت تلك بداية البنيوية الأدبية"".
نتبين مما سبق أن البنيوية اللغوية مرتبطة جنينياً باللسانيات لأنها أتاحت للوعي أن يكتشف خبايا اللغة الطبيعية، فاللغة هي الرحم الأولى لنشأة المعيار البنيوي، فهي على ذلك فرع من الألسنية. وعلى ذلك تعرف البنيوية الأدبية بأنها""الكشف عن النسق أو النظام الكلي الذي يُفترض وجوده وانتماء النص اللغوي إليه، وذلك عن طريق دراسة الأنساق الصغرى"". ويعتبر رومان ياكبسون أول من نحت مصطلح بنيوية في مؤتمر عقد سنة 1929م. ولكن الأب الروحي للبنيوية والذي يعتبر من أشهر مؤسسيها هو الفرنسي كلود ليفي ستروس إلى جانب مفكريها المشهورين أيضاً أمثال لوي ألتوسير، وميشال فوكو، ورولان بارت.
انعكست الفلسفة الماركسية على المفهوم البنيوي وذلك عبر مقولتها في البنية الفوقية والبنية التحتية، فالبنية الفوقية هي"الأيديولوجيا"والدين والسياسة والثقافة والقانون، أما البنية التحتية أو القاعدة فهي القوى الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات المتغيرة بينهما من صراع طبقي مستمر بين قوى مسيطرة وقوى مقهورة، وفي ظل هذا المفهوم فإن مكونات البنية الفوقية لا يمكن دراستها بمعزل عن البنية التحتية التي تحددها وتحكم حركتها، ومن هنا فلا نستطيع أن نناقش الثقافة أو الأدب بمعزل عن القوى التي تحكم النظام الاجتماعي والاقتصادي، والظروف التي تقرر حياة البشر المادية وكما قال ماركس""ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم، وإنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"".
-التفكيكية:
لم تعمِّر البنيوية كثيراً فقد دُفنت في سنة 1966م بعد محاضرة جاك دريدا المشهورة في مؤتمر جونزهوبكنز والتي تعتبر أساس ما يعرف الآن بالتفكيك. هذا مع أن التفكيك يرتبط بهايدغر في الأصل ولكن جاك دريدا هو الذي عممه بشكل سريع في الفكر الفرنسي المعاصر.
التفكيك والبعض يطلق عليه التقويض هو المصطلح الذي أطلقه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا على القراءة النقدية التي اتبعها في مهاجمته للفكر الغربي"الماورائي"منذ بداية هذا الفكر حتى يومنا هذا. والقراءة التفكيكية هي قراءة مزدوجة تسعى إلى دراسة النص أياً كان دراسة تقليدية أولاً لإثبات معانيه الصريحة، ثم تسعى إلى تقويض ما تصل إليه من نتائج في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معان تتناقض مع ما يصرح به. ويمكن القول إن دريدا يسير على أثر كلٍّ من نيتشة وهايدغر في فلسفتهما العدمية والهدمية.
لقد استطاع التفكيك أن يسهم في زعزعة المسلمات التقليدية الميتافيزيقية الغربية إلا أنه وصل إلى دوامة محيِّرة، إذ إن دريدا لم يطرح بديلاً عن هذه المسلمات بعد أن قوّضها، بل إن البديل نفسه كما يرى دريدا لا بد يتسم بسمات الميتافيزيقا لا محالة.
لقد انبثق التفكيك على يد دريدا بعد قراءة لفلسفات أفلاطون وكانط وهيجل وروسو ونيتشة وهوسرل وهايدغر. ولكن يبدو أن أكثر الفلسفات تأثيراً في التفكيك هي الفلسفة النيتشوية حتى إن دريدا يجعل النص يتماهى مع نيتشة فيقول:""إن مستقبل النص / نيتشة لم يقفل""ذلك لأن النص قابل لأن تعاد كتابته وقراءته ضمن سياقات جديدة، وإن حقيقة النص لا تقتصر على إرادة مؤلفه، وإنما على إرادة قارئه. ولذلك فإذا كان هناك من يختزل فلسفة نيتشة كلها بكونها تقوم مبدأ"إرادة القوة"، فإن تفكيكية دريدا وهايدغر يمكن أن تُختزَل بكونها إرادة الإرادة. وإذا كان نيتشة قام بتفكيك فكرة الحقيقة عن طريق جمهرة عاجَّة من الاستعارات، فإن دريدا يمارس ذلك أيضاً على مستوى النص والفلسفة عموماً بتحويلها أيضاً إلى استعارات وإيحاءات ورموز لا يمكن أن تعني شيئاً، وبذلك تكون التفكيكية قائمة على تلاعبات بلاغية نيتشوية بالألفاظ.