فهرس الكتاب

الصفحة 5716 من 27364

من هنا يمكننا أن نؤكد أيضاً أن التفكيك في الواقع لا ينفصل عن محيطه الفلسفي الذي نشأ فيه، ولا يمكن فصله عن الشك السائد في الفلسفة الغربية، إذ تنطلق استراتيجية التفكيك من موقف فلسفي مبدئي قائم على الشك، يمتزج هذا الشك بإحساس شديد باليأس والإحباط، وخصوصاً بعد فشل العلم في تحقيق السعادة والأمان والمعرفة اليقينية للإنسان، وذلك بعد إلقاء قنبلتين ذريتيين في الحرب العالمية الثانية، وارتبط ذلك أيضاً بإحساس جديد بالخديعة، تمخض ذلك عن تجربة الإنسان مع العلم والتكنولوجيا حيث لم يجن الإنسان بعد طول اعتداد بالعلم إلا الدمار والجهل المتفاقم.

سؤال:

لماذا يعمد الخطاب العلماني إلى الإكثار من التأويل شديد التعسف ؟

يُعوِّل الخطاب العلماني كثيراً على التأويل في قراءته للقرآن الكريم، لأن التأويل مفهوم قرآني يمكن الولوج منه بسهولة إلى الغايات التي يبحث عنها هذا الخطاب وتحت هذه المظلة يمارس هذا الخطاب آلياته في القراءة والتي لا صلة لها بالمفهوم القرآني مطلقاً.

لقد قال هاملتون جب بصراحة:"".. لكن الأجيال الإسلامية المعاصرة تحتاج إلى أكثر من هذا القول، فيجب أن يُثبَت لها أن لا شيء في القرآن من التناقض ولا من الباطل... وأن الفكر العلمي أو الروائي التاريخي المعاصر لم يكتشف شيئاً يعارض سلطة القرآن وأوامره، لنصل بها إلى نتيجة لا نبلغها إلا إذا اعتمدنا على القول بأنه من كلام الله، وأنه لا يجوز الخوض فيه قليلاً أو كثيراً... فالمطلوب أساساً هو التأويل"". وعلى هذا الدرب يخطو الخطاب العلماني حين يقرر"".. ولهذا كان التأويل الطريق الملَكيُّ الذي انتهجه العقل العربي في طلب الحق، بل إنه في النهاية طريق كل عقل في تعامله مع النص وفي قراءته لتاريخه"".

هكذا فالتأويل طريق ملكي، ثم إنه الطريق الوحيد لأنه طريق كل عقل، وفي طلب الحق أيضاً، ولكن التأويل عند الخطاب الآنف الذكر هو التحريف، والنسخ، والتزوير، والتقويل !! ربما يظن القارئ أنني أتجنى وأبالغ، ولكن لنقرأ النص التالي:""مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة يعني أن نُبدِّل وننسخ أو نُحرِّف ونُحوِّر أو نُزحزح ونُقلِّب أو نُنقِّب ونكشف أو نحفر ونُفكِّك، أو نُرمِّم ونُطعِّم، أو نُفسِّر ونُؤوِّل، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها"". إنها جميعاً معاني وآليات ممكنة لقراءة النصوص والتفكير فيها ومن هنا نجد أركون""منشغل منذ زمن بتأويل النص المقدس أو الذي قدسه تراكم الزمن ومرور القرون"".

ربما يكون ذلك لأن التأويل بنظر الخطاب العلماني""هو الصخرة العاتية التي تكسرت عليها وحدة الفكر الإسلامي"". وبالتالي يمكن لهذا الخطاب أن يُسهم بدوره في تكسير هذه الوحدة""إن التأويل إحياء لثقافتنا، بل لا إحياء دون تأويل، التأويل هو طريقنا إلى الحياة"". وذلك لأنه عن طريقه يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، وإقامة توازن بينه وبين الواقع المتغير.

هذا هو - إذن - الباعث الذي يدفع الخطاب العلماني للدفاع عن مفهوم التأويل ووضْعه في موضع المظلوم والمُدان في تراثنا وثقافتنا، فالفكرة الشائعة - بنظره - في تراثنا تُعلي من قيمة التفسير، وتغض من قيمة التأويل، وتتقبل الأول وترفض الثاني وتصمه بأنه ضلال وزيغ.

حصل هذا - بنظره - في مرحلة متأخرة وخصوصاً على أيدي الأشاعرة، ولذلك فالعودة إلى التأويل عودة إلى الأصل، لأن السلف - وفيهم الطبري ومن قبْله - كانوا يستخدمون التفسير والتأويل بمعنى واحد، ولأن كلمة تفسير وردت مرة واحدة في القرآن، وكلمة تأويل وردت سبع عشرة مرة، مما يدل على أن التأويل أكثر لزوماً وضرورة من التفسير.

كما أن كلمة تفسير في أصل استخدامها تعني الواضح البين، وهي بهذا المعنى لا تعكس المعنى المقصود من حركة الذهن المعرفية إزاء موضوع المعرفة وهو المعنى الذي تدل عليه كلمة تأويل. التفسير يرمي فقط إلى الكشف عن مراد قائل النص ومعنى الخطاب وهو ما لا يكتفي به الخطاب العلماني، لأنه يطمح إلى أكثر من ذلك، إلى انتهاك النص عن طريق التأويل، لأن التأويل صرفٌ للفظ إلى معنى يحتمله. بل يطمح إلى أكثر من ذلك، إلى التفكيك الذي يقْطع الصلة بين النص وقائله وبين المعنى واحتمالاته.

هذا هو التأويل في المفهوم العلماني من حيث المبدأ وهو يبدو لنا جلياً من خلال الأسس التي يقوم عليها.

سؤال:

ما هي الأسس والمنطلقات للتأويل في الخطاب العلماني العربي"التأويل المنفلت المتعسف"؟

أبرز أسسهم:

1 -الأصل في الكلام التأويل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت