فهرس الكتاب

الصفحة 5719 من 27364

فما دام القرآن كما رأينا لا ينص على الحقيقة، ولا يقول شيئاً ويقول كل شيءٍ فإن المعاني فيه لا نهائية ولا تقف عند حد""والذين يسعون لإرجاع نص حر غير منتظم تتفجر منه آلاف المعاني... إلى عرض منهجي خطي إنما يقعون في تناقض لغوي سمج، فلا يمكن نقل الكلام ذي البنية الأسطورية إلى مجرد كلام دال بدون إفقار قصي لجملة معقدة من المفاهيم""ولذلك فلا يحق لأي تفسير أن يُغلق القرآن، لأن النصوص تُنتِج دائماً دلالات جديدة مفتوحة مطردة،والركون إلى التفسير الحرفي موت للنص. ولذلك يجب أن يكون التأويل بلا حدود حيث تصل الكلمة إلى مرحلة التحرير، تحرير الكلمة وإطلاق قيدها لتصل إلى درجة الصفر درجة اللامعنى، أي درجة كل الاحتمالات الممكنة، فالكلمة حرة مطلقة من كل ما يُقيِّدها، وبذلك فهي لا تعني شيئاً، وهي قادرة في نفس الوقت على أن تعني كل شيء.

7 -الفراغات أو ما بين السطور:

لا يثق الخطاب العلماني بالنص القرآني، لماذا ؟ بسبب قوته وممارسته للحجب والاستبعاد لهذا قالوا:""نحن لا نثق بالنصوص كل الثقة، ليس لأنها تتصف بالضعف والركاكة، بل بالعكس بسبب من قوتها بالذات... ذلك أن الكلام القوي يمارس سلطته في الحجب والمنع والاستبعاد … يصدق هذا على كل النصوص التي تحتمل التأويل وبنوع خاص على النصوص الشعرية والنبوية والفلسفية"".

ولأنه خطاب مثله مثل غيره في كونه إنتاجاً معرفياً ضمن منتوجات أخرى خاضع لإكراهات اللغة، بالإضافة إلى كون النص القرآني - بنظر الخطاب العلماني - ذا بنية أسطورية فإنه يمارس آليات الحجب والطمس والتحوير والتحويل.

ولذلك على القارئ - بنظر الخطاب العلماني - أن لا يُعنى""بما ينطق به الخطاب بقدر ما يُعنى بما يسكت عنه ويحجبه من بداهات ومصادرات"". لأن""مهمة الفهم هي السعي لكشف الغامض والمستتر من خلال الواضح المكشوف، اكتشاف ما لم يقله النص من خلال ما يقوله بالفعل""لأن""الكلام مخادع مخاتل، والنص عمل متشابه مراوغ...فهو يلعب من وراء الذات""""وإذا كان النص لا يقول الحقيقة بل يخلق حقيقته فلا ينبغي التعامل مع النصوص بما تقول وتنص عليه، أو بما تعلنه وتصرح به، بل بما تسكت عنه ولا تقوله، بما تخفيه وتستبعده"".""يجب أن نبحث في النص عما لم يقله المؤلف، فنجد فيه عكس ما يصرح به""""فالنص يحتاج إلى عين ترى فيه ما لم يره المؤلف، وما لم يخطر له"".""مهمة القارئ الناقد أن لا يؤخذ بما يقوله النص، مهمته أن يتحرر من سلطة النص لكي يقرأ ما لا يقوله""""إن نقد النص هو قراءة ما لم يقرأ""وذلك حتى نعثر على معنى المعنى، فنتحرر من سلطة النصوص، ونكف عن التعامل معها وكأنها أو ثان تعبد.

هذه هي إذن المعاصرة التي يتوخاها الخطاب العلماني في قراءة النص، فلكي يكون النص معاصراً لنا علينا أن نضفي عليه ما نريده نحن، ونُقوِّله ما لم يقل.

8 -التأويل إنتاج للنص:

التفسير والشرح للنص في منظور الخطاب العلماني خُدعة، لأن الشرح يحل محل النص، ويعيد إنتاج النص، فهو نص جديد، لأنه لا ترادف في اللغة ولا اشتراك. إن القارئ يخلق النص، فهو خلاق آخر يواكب خلاق النص حيث""يصبح القارئ مؤلفاً كما كان المؤلف قارئاً، ويتحول العمل الفردي إلى عمل جماعي، النص إذن إبداع مستمر، وخلق جماعي، لا فرق بين تأليفه وقراءاته، بين وضعه وانتحاله، بين فهمه وشرحه"".

فالقراءة للنص هي عملية إكمال من خلال التراكم المعرفي، تتم في الزمانين الوجودي والتاريخي من خلال شعور الفرد والجماعة وتراكم الخبرات فيهما معاً، وبعد كل تراكم معرفي يأخذ النص أبعاداً جديدة لم تكن مقروءة فيه من قبل، ولا تكون موجودة في النواة الأولى للنص، وهذا هو معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف أي على مستويات تفسير النص طبقاً لأعماق الشعور، وطبقاً لتراكم المعرفة من عصر إلى عصر، فالآيات ليس لها حقيقة معينة إلا ما في شعور الإنسان، وقراءتها لا تحتاج إلا إلى خبرة القارئ الشخصية واليومية التي يكتسبها من خلال تجربته ومعايشته للحياة والواقع.

وهكذا في منظور الخطاب العلماني فإن الشرح"الفرع"ينسخ الأصل، أي أن النص الشارح ينسخ النص المشروح، فالمؤلف الذي يؤلف كتاباً لكي ينقذك من ضلالك يصبح كلامه أولى من الكلام الإلهي، وهذا شأن كل خطاب يدور حول النبوة والله والأصول، إنه يعمل للحلول محل النصوص التي سبقته بدءاً من النص القرآني حتى آخر كلام قيل حوله، لأنه من المستحيل حصول تطابق دلالي بين خطاب التفسير، والنص المراد تفسيره.

وبذلك تتحول علاقة القارئ بالنص إلى علاقة ناسخ بمنسوخ، لأن القراءة للنص ليست استهلاكاً، وإنما إعادة إنتاج وإعادة كتابة له، وعليه فلا سبيل إلى إيجاد قراءة موضوعية لأي نص، وستظل القراءة تجربة شخصيته، ويظل إنتاج الدلالة فعلاً مشتركاً بين القارئ والنص، ويظل النص متجدداً بتعدد القراء من جهة، وباختلاف الظروف من جهة أخرى.

9 -الرمزية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت