فهرس الكتاب

الصفحة 5720 من 27364

الإنسان في الخطاب العلماني""يحيا بالرمز وفي الرمز وللرمز"". ومن هنا يلح هذا الخطاب على جعل القرآن الكريم مجموعة رموز أو مجازات لكي يستطيع أن يرمز بها لما يريد، ويضمنها بما يرغب، فالرمزية تُتيح للقارئ حرية أوسع في تقويل النص، وعليه فالقرآن - بنظر الخطاب العلماني - كالأناجيل ليس إلا""مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً"". ولغة القرآن بنظر هذا الخطاب نادراً ما تكون تصريحية، وإنما هي تلميحية في معظم الأحيان ولذلك فإنها قابلة للتعميم على الأحوال المختلفة.

ومن هنا يستدل الخطاب العلماني بأحاديث منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مثل""لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة"". وأيضاً""القرآن نزل على وجوه كثيرة فخذوا بوجهه الحسن أو الأحسن"". يقولون ذلك من أجل أن يقبل القرآن التعددية القرائية ويقبل عملية التشظي إلى ما لا نهاية أي""قابليته لأن يعني باستمرار"".""لو لم نتخذ هذا الموقف التعددي منهجياً لكنا طمسنا إحدى خصائص القرآن الأساسية ألا وهي قابليته لأن يعني، أي لأن يعطي معنى باستمرار ويولد هذا المعنى""أي""قابليته لتوليد المعنى وللإيحاء...هذه الفكرة الغالية جداً على رولان بارت"".

10-التناص:

ويعنون بذلك أن القرآن الكريم أسهمت في تشكيله نصوص سابقة عليه كالتوراة والإنجيل والشعر الجاهلي والسجع وغير ذلك. وهو ما حاول أن يؤسس له من خلفية ماركسية نصر حامد أبو زيد.

هذه هي الأسس التأويلية التي تتم قراءة القرآن الكريم من خلالها وهي أسس هرمينوطيقية كما سيتضح لنا فيما بعد لا صلة لها بمفهوم التأويل في الإسلام ولكن لابد من الإشارة إلى أن هذه التأويلية العلمانية المفتوحة تستند في قراءتها للنص القرآني على بعض المفاهيم الأصولية والصوفية وذلك لتقويل القرآن بكل ما يرغب به قراؤه ومن ثم تكريس تاريخيته ونسبيته ومن هذه المفاهيم: - الكلية والإجمالية التي تبدو في القرآن"المجمل في أصول الفقه".

-المحكم والمتشابه.

-الظاهر والباطن.

-القراءات والأحرف السبعة. وهو ما يسميه طيب تيزيني""اختراق النص متنياً"".

-العموم والخصوص.

هذه بنظر الخطاب العلماني مداخل كبرى لجعل النص مرناً مطواعاً لكل التأويلات والتفسيرات والاجتهادات.

سؤال:

هل ستعم العلمانية العالم بشكل لا مفر منه، أي هل العلمانية حتمية ؟

أولاً: ماذا يقول العلمانيون ؟

العلمانية عند هذه الثلة من المفكرين ليست خياراً إيديولوجياً بقدر ما هي واقع تاريخي موضوعي في آن، وهذا يعني أنها ظاهرة حتمية لا مرد لها، أو ظاهرة طبيعية كالزلزال والبراكين، وهي واقعة لا محالة، لأن الغرب هو السائق والقطار تحرك، ولذلك ينصحنا دعاتها أن نكف عن المقاومة والمواجهة لأن هذا لن ينفعنا ولن يجدينا شيئاً فالتيار جارف.

ولكن السؤال: لماذا هذه الوثوقية المطلقة في تأكيد حتمية العلمانية، ولماذا هذه المصادرة على التاريخ والمستقبل ؟

الإجابة: من منظور علماني تتمثل في كون الدراسات الأوربية والأمريكية المتطورة اعتبرت العلمانية واقعاً مُسلَّماً به ولا يختلف في ذلك اثنان، واعتبرت العلمانية أمراً محسوماً أو يكاد.!! وما دامت - أمريكا - قالت فقد صدقت !!!.

أما نحن فلا نزال نسمع نداءات تعتبر العلمانية أمراً مدسوساً، ولا يزال الحديث عن العلمانية في واقعنا العربي يجلب التهم بالوقوع تحت هيمنة الغزو الغربي، ويغلب على الكتابات الإسلامية المنطق العدائي، والأفكار المتشنجة، ومعالجات يغلب عليها الخطاب الاحتفالي ويلاحظ ذلك فيما يكتبه أنور الجندي، وعماد الدين خليل، ومحمد مهدي شمس الدين ومحسن الميلي، هذا"النوع من المفكرين الإسلامويين"!! الذين يستبطنون مواقف"أيديولوجية"عن العلمانية.

ولكي يدعم الفكر العلماني رؤيته في حتمية الظاهرة العلمانية يبحث في الواقع الاجتماعي عما يؤكد ذلك:

لقد قال قاسم أمين قبل مائة سنة:""وكل ناظر في أحوال هيئتنا الاجتماعية الحاضرة يجد فيها ما يدل على أن النساء عندنا قطعن دور الاستعباد، ولم يبق بينهن وبين الحرية إلا حجاب رقيق إذ يرى:

-شعوراً جديداً عند المصريين بالحاجة إلى تربية بناتهم بعد أن كن جاهلات.

-انزواء ظاهرة الحجاب وتلاشيها شيئاً فشيئاً.

-تراجع الشبان عن الزواج على الطريقة التقليدية وتأففهم من الفصل بينهم وبين مخطوباتهم.

-اهتمام الحكومة وبعض أبناء البلاد وفي مقدمتهم صاحب الفضيلة الشيخ محمد عبده بإصلاح المحاكم الشرعية"".

وعبر طه حسين عن أثر العلمانية في الحياة المصرية عندما قال:""حياتنا المادية أوربية خالصة في الطبقات الراقية وهي في الطبقات الأخرى تختلف قرباً وبعداً من الحياة الأوربية باختلاف قدرة الأفراد والجماعات..."".

هكذا وصف دعاة العلمانية الحال في الربع الأول من القرن العشرين فما حالها عند دعاتها اليوم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت