فهرس الكتاب

الصفحة 5721 من 27364

""العلمنة تكتسح اليوم تحت غطاء ديني وشعارات دينية كل أرض الإسلام ولا أحد يعلم ذلك""والأمارات الدالة على العلمانية في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بينة أكثر من أي وقت مضى مثل تولي المحاكم المدنية لزمام القضاء، وإزاحة المحاكم الشرعية عن مركز الصدارة وتهميشها.

وتعلْمَن الزمان باستخدام التقويم الشمسي بدلاً من التقويم القمري المرتبط بالشعائر والطقوس، وتَعلْمَن المكان بحيث أصبح الاعتبار للوطن والقومية بدلاً من الدين، وتَعلْمَنت المعرفة عندما استندت إلى الطبيعة والتاريخ بدلاً من الكتب المقدسة كمرجعيات، وتعلمنت السلطة السياسية عندما اعتَبر الدستور المشاركة الشعبية بدلاً من الاستخلاف في الأرض.

حصل هذا لدينا عندما استبدلنا المحاميين والقضاة والأساتذة المدنيين بالشيوخ والفقهاء وقضاة الشرع، والمكاتب الرشدية بالمدارس الشرعية والكتاتيب، ثم بالمدارس والجامعات، وعندما اعتمدنا أسساً لمعارفنا العقلية العلوم الطبيعية والتاريخية والجغرافية بدلاً من الركون إلى المعرفة بالجن والعفاريت والزقوم ويأجوج ومأجوج، وموقع جبل قاف !!، والتداوي بالرقي والطلاسم والأسماء الحسنى.

حصل هذا عندما أقمنا نُظُماً قضائية تتناسب وحياة العصر وسنن الرقي، بإلغاء أحكام الردة في الدولة العثمانية في عام 1858م وقبول شهادة الذميين في السنة نفسها، واعتبار المسلم غير العثماني بحكم الأجنبي، وإلغاء الجزية، وتجنيد الأقباط في الجيش المصري ابتداء من عام 1855 م.

كما يتضح الاكتساح العلماني لمجتمعاتنا فيما نلاحظه من شيوع النماذج الغربية في وسائل الإعلام، والمبادلات التجارية، والمواصلات، والسياحة، وكل المظاهر المادية، ويتبع ذلك كثيراً من القيم الجديدة، وبروز الخلل واضحاً بين الاستمساك بالأنماط التقليدية في شؤون الحياة والعيش، وبين ما نلاحظه من إقبال على التغرب بكل أشكاله الملازمة لحياتنا.

ولعل أهم المرتكزات التي تؤكد اجتياح العلمنة لحياتنا هو انقراض المدرسة القرآنية التقليدية التي كانت قائمةً في المساجد، وظهور نظام التعليم الغربي، بدلاً من نظام التعليم العتيق في الكتاتيب والمدارس القرآنية والجوامع.

كل هذا يؤكد - في المنظور العلماني - أن مسار العلمنة يفعل فعله في المجتمعات الإسلامية كأعمق ما يكون الفعل، وأن العلمنة ما فتئت تغزو المجتمعات العربية في العمق، وبصفة ثابتة لا رجعة فيها على المدى الطويل، المدى الوحيد الذي تعترف به الحضارة. كما يؤكد""أن الإسلام قد فقد بعدُ قسماً كبيراً من قيمة تفسيره للكون، وهو من جهة أخرى في هذا المستوى يعيش نفس المشاكل التي تعيشها سائر الديانات التي أصبح اعتناقها ينزع شيئاً فشيئاً إلى أن يكون اختياراً قلقاً"".

ثانياً: كيف ننقض مقولاتهم ؟

بغض النظر عن اللهجة العدوانية والاستفزازية التي يتحدث بها عزيز العظمة والتي تفتقر إلى أدنى مقومات المنطق العلمي والمحاكمة العقلية، فإن ما يشير إليه هو وعبد المجيد الشرفي من مظاهر يؤكدون بها حتمية العلمنة وسيرورتها التي لا مفر منها - كما يزعمون - ليست اختياراً ديمقراطياً للأمة، ولم تقبله الأمة في أي يوم من الأيام، وكانت كل هذه المظاهر التي يتحدثون عنها مرفوضة، ولا تزال مرفوضة لدى الغالبية الساحقة من أبناء هذه الأمة.

إن إلغاء المحاكم الشرعية والكتاتيب وإلغاء تطبيق الشريعة الإسلامية، وإلغاء التقويم الهجري، وفرْض النظم والقوانين الغربية الوضعية وغير ذلك من المظاهر فُرض على هذه الأمة بالحديد والنار، وبالقتل والإبادة، والتعذيب والإرهاب من شرذمة من الحكام المستبدين الذين يمارسون كل ذلك تحت مباركة الاستعمار الغربي وتحالف"العلمانية الفاشية".

إن الأمة لو أتيح لها الآن الاختيار - بعد كل سنوات العلمنة - لاختارت إسلامها وشريعتها دون تردد وإن أبرز مثال على ذلك حالة تركيا التي مُورست فيها العلمانية الفاشية بأبشع صورها على يد أتاتورك وأتباعه ولكن ماذا حصدت العلمانية ؟

يجيب على ذلك باحث تركي فيقول:""ومع كل هذا - جهود العلمانية - فإن أهم سمة تلفت الانتباه في سلوك الأتراك هي أن رسوخ العقيدة الدينية وعمقها لم تتغيرا، وما زالا يفعلان فعلهما في مجموعات واسعة من الشعب التركي [ بعد عقود طويلة من سياسة العلمنة ] ، ومع ذلك أيضاً لا يزال العلمانيون الأتراك يعتبرون ذلك انتصاراً للظلامية على العلم"".

وما يزعمه الشرفي من انقراض الكتاتيب والمدارس القرآنية كعلامة على الاكتساح العلماني قد ينطبق على البيئة التي يعيش فيها هو، والمحيط الذي ينتمي إليه، ولكن هذا لا يعني أكثر من أنه هو وأمثاله يعيشون في أبراجٍ عاجية بعيدين عن سواد الأمة، فالمساجد لا تزال عامرة بالقرآن في كل بقاع العالم الإسلامي، والمدارس القرآنية في العطلة الصيفية تنشط في كافة الأوساط الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت