هذا وإن كان بعض الكتاب يحاولون فض الاشتباك بين الإسلام والعلمانية حيث يرجعون إلى تعريف معجم لاروس الفرنسي للعلمانية بأنها"فصل الكنيسة عن الدولة"sepa r ation de l'Eglise et de l'Etat قائلين: إنه أدق تعريف لها وإذن فشأنها متصل بالكنيسة ولا شأن لها بالإسلام: ( لأنه - أي هذا التعريف - يضعها في سياقها الثقافي والاجتماعي، ويكشف عن حدودها الزمانية والمكانية، على خلاف التعريف المبهم الذي يستخدمه أنصاف المثقفين !! في الوطن العربي، حين يجردون العلمانية من سياقها التاريخي ويسبغونها بصبغة عالمية، فيعرفونها بأنها"فصل الدين عن الدولة".) إذا كان ذلك كذلك فإن التطبيق الواقعي لها في منبتها وتسويقها في بلادنا الإسلامية آل إلى وضع كلمة"الدين"موضع كلمة"الكنيسة"وحيث لا كنيسة للإسلام اخذوا يطالبون بإبعاد"الدين"عن الدولة في مختلف ممارساتها الخاصة بتنظيم شئون الحياة في السياسة والتربية والإعلام والثقافة والفن والعلم على السواء ، واسألوا أوربا وفي المقدمة منها فرنسا لماذا تمنع الحجاب ؟
وهذا ما بدأ تطبيقه بتوسع مندفع منذ ما يقرب من قرن ، في بعض البلاد الإسلامية مثل تركيا ، وببطء محسوب في بلاد أخرى مثل مصر
في تركيا التي نعرف ما حدث فيها للخلافة العثمانية التي تآمر الغرب على إسقاطها في بداية القرن العشرين بعد أن ظلت أكثر من أربعة قرون القلعة الشامخة التي تحمي المسلمين وتذود عنهم كلاب أوربا المسعورة وتبث الرعب في رجالها البغاة وتصل إلى مخادعهم لتملأها بكوابيس الذل والهوان
صحيح أن هذه الامبراطورية الإسلامية كانت قد شاخت وسرت في جسمها أمراض الحضارات الكبيرة وأنها كانت في حاجة إلى دم جديد أو إلى مركز إشعاع إسلامي جديد لكن غير الصحيح هو ما تولى كبره الغرب في تآمره على توزيع ميراث هذا الرجل المريض ودفن دولة الإسلام الكبرى إلى الأبد باسم العلمانية وبأيدي العلمانيين الخونة من زعماء تركيا
ومن المضحك المبكي أن الزعيم التركي الذي تولى إنفاذ المؤامرة الذي أعطي لاحقا لقب"أتاتورك"أو"أبوالأتراك"قدم نفسه في البداية باعتباره منقذا للخلافة وللأمة الإسلامية ، وفي بيان أصدره بمناسبة افتتاح مجلس الأمة التركي عام 1920 قال: ( إن افتتاح المجلس في يوم الجمعة هو من أجل الاستفادة من بركة هذا اليوم !! وباشتراك جميع النواب في صلاة الجمعة بجامع"حاجي بيرام"سيؤخذ الفيض من نور القرآن والصلوات على الرسول ..سنبدأ من الآن في جميع أرجاء الوطن المقدس والجريح بقراءة القرآن والبخاري الشريف ، وستتلى الأسماء السلطانية من فوق المنابر في يوم الجمعة بعد الأذان ، وعندما تتلى الأسماء السلطانية لمولانا وسلطاننا وخليفتنا فستتلى الأدعية من أجل خلاص حضرته السامية ومن أجل خلاص بلده وخلاص رعيته وتحقيق السعادة لهم في أقرب وقت ) !!
ولكنه بعد عامين فقط من هذا الكلام في عام 1922 أعلن أن تجربته أثبتت إمكانية الفصل بين السلطنة والخلافة ، وأن مجلس الأمة التركي يستطيع أن يمثل الحاكمية والسلطنة وبذلك تعود السلطنة إلى الأمة !!
وكانت هذه هي الخطوة التمهيدية لإلغاء الخلافة بعد ذلك في شهر مارس من عام 1924 بالقوانين الثلاثة الشهيرة التي حملت أرقام 429 - 430 - 431 وينص أولها على إلغاء الخلافة وطرد الخليفة هو وأسرته من البلاد ، وينص الثاني على إلغاء وزارة الأوقاف وينص الثالث على أن تلحق المؤسسات العلمية والدينية بوزارة المعارف
وتتابعت الخطوات بعد ذلك إلى حد الاعتداء على الإسلام نفسه
ففي مذكرات علي كيليج أحد رجال أتاتورك أن قضية العلمانية أثيرت في اجتماعات مجلس الأمة في حضور مصطفى كمال فقام أحد العلماء من أعضاء المجلس وقال:"الكل يتحدث عن العلمانية ولكني لا أستطيع فهم معناها على وجه التحديد"عندئذ قاطعه مصطفى كمال بحدة وقال"إنها تعني أن نكون آدميين يا شيخنا آدميين"تماما كما يسخر أي علماني اليوم بمخاطبة رجل الدين قائلا بنبرة استخفاف"… يامولانا"
وبينما كانت الدعوة إلى العلمانية تشتد فإن الحملة على الشريعة كانت تمضي معها في خط مواز - على حد تعبير الأستاذ فهمي هويدي - وكان مصطفى كمال هو الذي قاد تلك الحملة حيث بدأها بأن قال غامزا: ( إن الدين المتعلق بالضمير شيء والشريعة التي تريد أن يتجمد المجتمع وأمور الدنيا عند القرن السابع الميلادي(!!) شيء آخر ) . لاحظ أن العبارة تتردد بنصها الآن في أوساط العلمانيين . وأفضل منها ما تقوله أي راقصة محترفة ( أنا قلبي عمران بربنا ) !!
ومما قال أيضا: ( إن التشريع والقضاء في أمة عصرية يجب أن يكونا مطابقين لأحوال الزمان والمكان ) لاحظ أن العبارة تتردد بنصها الآن في أوساط بعض المفتين
أما وزير العدل في حكومته محمود أسعد فقد هاجم الشريعة ووصفها بأنها قانون الصحراء - قارن هذا بمقالات أحمد عبد المعطي حجازي عن الموازنة بين الحضارة الزراعية بمصر وثقافة الصحراء التي يحملها ( المتشددون ) في الإسلام: الأهرام 18\5\1988