-المحطة السلفية الثانية (الصراع مع العلمانيين) : بعد عزل الظواهري من منصب عميد جامعة الأزهر ، وتعيين المراغي توقف القصيمي عن نقد الأزهر ورجاله ، واتجه في نقده إلى العلمانيين فقد نشر أشهر ممثلي الليبرالية العلمانية آنذاك محمد حسين هيكل عام 1935م كتابه المشهور ( حياة محمد ) وقد سعى هيكل في كتابه لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تفسير السيرة بمنظار عقلي من خلال دعم القيم العلمية الوضعية عن طريق عقلنة الإسلام ، وتبعاً لذلك نظر إلى عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمنظار يسمح له بتفسير جميع النصوص القرآنية بطريقة العلوم الحديثة في عصره .
فألف القصيمي نقداً لهذا الكتاب مؤلفاً سماه ( نقد كتاب حياة محمد لهيكل ) عام 1935م - 1354هـ ، ويتضمن الجزء الأكبر من كتابه نقداً لتفسير هيكل للمعجزات النبوية ، وكان أشد الانتقاد موجها للمثالين الذين اختارهما هيكل نفسه لإيضاح موقفه من الظواهر الإعجازية وهما: الإسراء والمعراج ، ومعجزة شق الصدر .
إلا أن نقد القصيمي لهيكل لم يجد التجاوب من الدوائر السلفية في مصر آنذاك؛ فقد اعتبرت تلك الدوائر أن هذا المؤلف لهيكل يعد تحولاً من العلمانية إلى الإسلام ؛ ولهذا نصح رشيد رضا الخصم اللدود لهيكل سابقاً قُرَّاءه بقراءة كتاب ( حياة محمد ) وهيأ له الملك عبد العزيز استقبالاً حافلاً عند أدائه فريضة الحج عام 1936 م .
-المحطة السلفية الثالثة (الصراع مع الشيعة) : في عام 1927م نشر الكاتب الشيعي محسن الأمين العاملي كتابه الخصامي ( كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب ) ، ولم يسمع القصيمي بالكتاب إلا متأخراً نسبياً ، وذلك حينما أرسله العالم السعودي محمد نصيف عام 1935م مع رجاء الرد عليه ، فألف القصيمي كتابه الشهير ( الصراع بين الإسلام والوثنية ) عام 1937م - 1357هـ ، وفي هذا الكتاب ينفي القصيمي انتماء الشيعة إلى الإسلام ، ويساوي بينهم وبين عبدة الأوثان ، ويرى أنهم ينتمون إلى تقليد فكري هدفه إفساد عقائد المسلمين ، وأرجع الشيعة إلى أصول يهودية تعود إلى اليهودي عبد الله بن سبأ ، وبصدور هذا الكتاب أصبح القصيمي مدافعاً قوياً عن السلفية معترفاً به على نطاق واسع ، وذكر القصيمي نفسه في حديث له مع فازلا عام 1993م أن الكتاب لقي قبولاً حماسياً في السعودية وقدم للملك عبد العزيز بالقول: (( إن مؤلف هذا الكتاب استحق مهر الجنة ) ).
المرحلة الثانية: مرحلة العلمانية
منذ منتصف الثلاثينات بدأت ظاهرة النقد الذاتي في الخطاب العربي ، وبنهاية الثلاثينيات صارت هذه الظاهرة منتشرة على نطاق واسع ، وشارك فيها ممثلو السلفية ، ولعل أبرز مثال عن مشاركة الإسلاميين بالنقد الذاتي آنذاك كتاب شكيب أرسلان ( لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ؟ ) وقد أعرب القصيمي عن موافقته لأرسلان ، وشارك هو بدوره في النقد فألف كتاب ( لماذا ذل المسلمون؟) عام 1940 م ووجه نقداً حاداً لمظاهر التخلف لدى المسلمين ثم أتبعه سنة 1946م كتابه الضخم الذائع الصيت ( هذي هي الأغلال ) ، وقد اختلفت الأقوال في تقييم القصيمي من خلال طرحه في هذا الكتاب فذهب د/ فازلا إلى أنه (( لا يشكل - كما يزعم المنجد وكما في المراجع الغربية - قطيعة كاملة مع مواقفه السابقة بل إن في كتابي القصيمي( كيف ذل المسلمون ) و ( هذي هي الأغلال ) هما خط الوصل الفكري بين إيديلوجيا القصيمي والوهابية ، وهجومه اللاحق على كل ما هو ديني ))"ص68". وقد أطال د/ فازلا في تحليل هذا الكتاب فاستغرق أربعين صفحة من أطروحته ، ويخلص إلى أن القصيمي حاول دوماً في ذلك الكتاب بناء انتقاداته لظروف تخلف العالم الإسلامي على أسس دينية، وتدعيمها ببراهين من الكتاب والسنة ، هذا هو رأي د/ فازلا في الكتاب. فما هي آراء المعاصرين للقصيمي كما أوردها د/ فازلا ؟
أثار الكتاب ردود فعل واسعة ففي أوساط الكتاب ذوي الاتجاهات العلمانية لقي القصيمي تأييداً كبيراً وكانت مجلة ( المقتطف ) الليبرالية أول الجهات التي وقفت بكل صراحة ووضوح إلى جانب كتاب ( هذي هي الأغلال ) حيث نشرت عنه دراسة نقدية بقلم إسماعيل مظهر ، ومِمَّن أيد هذا الكتاب عباس محمود العقاد في مجلة الرسالة عدد ( 695 ) ولعل أبرز تأييد لقيه الكتاب تأييد شيخ الأزهر حسين القياتي حيث نشر مقالاً في ( المقتطف ) بعنوان وضع القصيمي بين المصلحين الكبار ومما قال: ( شكل ابن خلدون رائد الاشتراكيين طليعة الإصلاح في الشرق ، وشكل الأفغاني وتلميذه محمد عبده والكواكبي جوانبه ، أما القصيمي فهو قلبه ) ص 109 ، وكذلك أيده الشيخ محمود شلتوت وأعرب عن أسفه من أن جامعة الأزهر لم تتمكن خلال تاريخها الطويل الذي امتد إلى ألف عام من وضع كتاب بمستوى ( هذي هي الأغلال ) .