وبالمقابل انتقد الكتاب الشيخ عبد الرحمن السعدي ورد عليه بمؤلف أسماه ( تنزيه الدين ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله ) وذلك عام 1947م ، حيث يرى السعدي أن القصيمي تعمد تزوير مبادئ الإسلام وتفسيرها تفسيراً خاطئاً ، وهناك رد آخر على القصيمي ، يلفت النظر بضخامته وهو ( بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال ) ويقع في 1200 صفحة ، ويرى صاحبه أن القصيمي يعتبر كل تفسير أو حديث لا يناسب آراءه فهو بكل بساطة باطل وغير مقبول ، وهو ينتقد الجماعات الإسلامية والسلفية فقط ليفسح الطريق أمام الزندقة والكفر ، وبينما يعتبر خطبة الجمعة مخدرة ومثبطة للهمم يسكت عن انتشار السلوك المخالف للدين كالرقص والبغاء وغير ذلك ، وممن انتقده المفكر الكبير سيد قطب حيث يصف كتاب القصيمي بأنه هجوم على القيم الجوهرية للدين الإسلامي ، وينزعج بشكل خاص من المقابلة التي يضعها القصيمي بين الدين والنجاح المادي ، ويقول إن أقواله عن هذا الموضوع لا يمكن فهمها إلا أنها دعوة للابتعاد عن الدين وهو عندما يستشهد بكلمات غوستاف لوبون الذي يقول ( إن البشرية لم تتمكن من تحقيق تقدُّم قوي إلا في مراحل الوثنية ) يوضح بكل جلاء نياته الحقيقية ، وهي حض قُرّائِهِ على التخلي عن الإسلام ، ولكن كلما برزت هذه الروح التي تطغى على الكتاب بكامله يحاول القصيمي الاختباء بدافع الجبن وراء غطاءات دينية لأفكاره . هذه أبرز الآراء المختلفة التي أوردها د/ فازلا ، ولعل هذا الاختلاف الكبير حول تقييم الكتاب إنما هو نتيجة أسلوب القصيمي في الكتاب ، فهو كثيراً ما يؤكد إيمانه بالله ورسوله ، وأنه إنما يريد الدعوة إلى التخلص من الأغلال التي علقت بالدين، لكنه أحياناً يسترسل إلى نقد الدين نفسه ، ونقد العلماء من السلف والخلف والدعوة إلى الكفر بهم وإسقاطهم ، وقد حاول أن يؤصل أن الدين لا علاقة له بالحضارة ، ودعا إلى الفصل بين الدين والسياسة ، وكل هذه الآراء والموقف تجعله يبدو ممثلاً للتيار العلماني الليبرالي ، وبعيداً عن التيار الإسلامي . ولعله أدرك ذلك من نفسه ولهذا ختم الكتاب بمدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب وضربه أنموذجاً للمسلم الحق في محاولة لتغطية ما بث في كتابه من دعوة صريحة إلى العلمانية .
بعد الضجة التي أثارها كتابه ( هذي هي الأغلال ) انسحب القصيمي من الحياة واقتصر الظهور العام له على حلقة نقاش تجري في أوقات دورية في مقهى تحت القلعة اسمه ( كافتريا العمدة ) وكان يشترك في هذه الندوة عبد الحميد الغرابلي ، والعالم السعودي محمد نصيف ، والكاتب خالد محمد خالد ، ثم بدأ يعقد لقاءات مع الطلبة اليمنيين المبتعثين إلى القاهرة ، مما دفع حكومة الإمام في اليمن للمطالبة بطرده من مصر ، وهذا ما حصل بالفعل حيث طرد عام 1954م وذهب إلى بيروت ، وفيها تلقى دعماً من المثقفين العلمانيين ومن أبرزهم سهيل إدريس حيث أتاح له الكتابة في مجلته ( الآداب ) ، وقدري قلعجي الذي أعطى القصيمي في وقت لاحق زاوية خاصة في مجلته ( الحرية ) التي صدرت عام 1956م ، وبدأ الكتابة أيضاً في صحيفة ( الجريدة ) وفي عام 1956م ، ألغت الحكومة المصرية أمر إبعاد القصيمي وسمحت له بالعودة إلى أسرته في القاهرة ، وبدت كتاباته في تلك الفترة تتميز باليأس ؛ فقد كتب مقالاً بعنوان ( الكاتب لا يغير المجتمع ) .
المرحلة الثالثة والأخيرة: مرحلة الإلحاد
بعد نشر القصيمي كتابة ( هذي هي الأغلال ) عام 1946م ، وما لقيه من هجوم واسع ، انسحب من الحياة العامة كما مرَّ سابقاً ، ويفسر الدكتور فازلا هذا الانسحاب بأنه يشير إلى أن الرفض الذي لقيه آنذاك هز صورته عن العالم هزاً عنيفاً ، دعاه إلى تغييرها، ولذلك يتحدث أحمد السباعي عن أزمة الشك التي مَرّ بها الكاتب في هذه المرحلة من تطوره ثم ازدادت حدة هذه الأزمة الداخلية لديه بإبعاده عن مصر في الخمسينيات ، وعيشه في المنفى السياسي ؛ مما أدى في النهاية إلى رفضه الجذري لكل ما كان ذا معنى بالنسبة له في السابق ، وقد مرت مرحلة إلحاده بمحطتين:
-المحطة الأولى (الإنتاج الفكري والشهرة) : بداية من عام 1963م ، شرع القصيمي بطرح كتبه الإلحادية الشهيرة وتعد هذه الفترة أغزر فترات عمره تأليفاً ، فقد ألف في السنة المذكورة كتابه ( العالم ليس عقلاً ) وهو كتاب لم يلق صدى يذكر في الأوساط الثقافية العلمانية والإسلامية ، وبعد ثلاثة أعوام وفي عام 1966 م ، أصدر كتابين ( هذا الكون ما ضميره ؟ ) وكتاب ( كبرياء التاريخ في مأزق ) وبعد صدورهما مباشرة نشرت مقتطفات في ( العلوم ) وفي الملحق الأدبي لجريدة ( النهار ) وفي الوقت نفسه نشرت عدة دراسات عن الكتابين .