فهرس الكتاب

الصفحة 5970 من 27364

بين عام 1967وعام 1972م بلغ القصيمي قمة شهرته وهي تعد أكثر مراحل حياته إنتاجاً وشعبية ، والسبب في هذا حدثان وقعا نقلاه إلى مركز الضوء ، أحدهما طرده إلى لبنان ، ولم تعرف الظروف الدقيقة لهذا الإبعاد . هذا الطرد أحدث تضامن المثقفين العلمانيين في لبنان معه ونشرت بعض الصحف اللبنانية تطالب برفع الحظر عن دخوله إلى لبنان ، والحدث الثاني هزيمة حزيران عام 1967م ، فقد أحدثت هذه الهزيمة زلزلة فكرية لدى جمهرة المثقفين وأطلقت موجة من النقد الذاتي عمت العالم العربي بأسره ، وظهر لدى كثير من المثقفين العرب ميل إلى القطيعة التامة مع الماضي ، ففي مثل هذا المناخ الثقافي يمكن أن تجد فلسفة تحطيم الصور والمفاهيم الدينية والسياسية التي تدعو إليها كتب القصيمي أرضاً خصبة للازدهار والانتشار، ولهذا أعيد طباعة كتابه ( العالم ليس عقلاً ) في ثلاثة أجزاء ثم تبعها عام 1971م تأليف كتاب ( أيها العار إن المجد لك ) وكتاب (فرعون يكتب سفر الخروج ) وكتاب ( الإنسان يعصي لهذا يضع الحضارات ) إلى جانب ذلك نشر القصيمي عدداً من المقالات في المجالات الأدبية في بيروت ومن الممكن القول بأن القصيمي كان بين 1967م وعام 1972م فيلسوف المرحلة الذي تنوقلت أفكاره على نطاق واسع نظراً لحالة الضياع والصدمة التي يعيشها المثقفون العرب جراء هزيمة 1967م .

مع نشوب الحرب الأهلية في لبنان عام 1975م انقطع النشاط الثقافي في لبنان وبهذا فقد القصيمي مكان النشر لكتبه ، فنشر كتابه ( العرب ظاهرة صوتية ) عام 1977 م في باريس ، وكان هذا الكتاب آخر كتاب للقصيمي يلقى في العالم العربي صدى قوياً نسبياً ، إلا أن جميع النقاد أعطوا الكتاب تقييماً سلبياً جداً ورافضاً.وفي تعليق للكاتب اللبناني يوسف الخال على كتاب القصيمي هذا وصف القصيمي وإنتاجه الفكري بأنه ( ظاهرة كلامية ) .

وفي الثمانينيات أصدر القصيمي كتابين ( الكون يحاكم الإله ) 1981م و ( يا كل العالم لماذا أتيت ) 1986م ، فلم يلقيا أي اهتمام وحتى الرد العاصف الذي واجهه كتاب ( العرب ظاهرة صوتية ) عام 1977م ، ظل غائباً كلياً هذه المرة ، يقول فازلا: فحسب علمي لم تنشر أي قراءة نقدية لهذين الكتابين ، وكانت ظاهرة التجاهل الكامل هذه توصف في الوسط الشخصي المحيط بالقصيمي بأنها ستار الصمت الذي أسدل أمام الكاتب منذ عام 1980م تقريباً .

يبقى تساؤل حول مؤلفاته الإلحادية والموضوعات التي تحدث فيها عنها: يقول د / فازلا: (( مؤلفاته بعيدة كل البعد عن أن تكون نظاماً فلسفياً مترابطاً ومحكماً ، فهو لا يتبع في أي كتاب من كتبه خطاً منهجياً متتابعاً ومحكم الحجة ، بل إن مؤلفاته الأخيرة هي أقرب إلى طائفة من الحكم والمقولات المركزة التي تتناول موضوعات متنوعة ، تتبدل وتتكرر دائماً ويدور الحديث حولها بالمعنى الحرفي للكلمة ، ولذلك لا يجد نقاد القصيمي صعوبة في اتهامه بأنه كان من الأفضل لو أسقط فصولاً كاملة من كتبه ؛ لأنها ليست سوى تكرار لنفس الأفكار وشرح مستفيض لنفس الموضوعات يصل إلى حد الإطناب ...، وما نلاحظه في كتابات القصيمي من لف ودوران على صعيد الموضوع والمضمون ينطبق أيضاً على الأسلوب اللغوي ، فهو لا يكتفي بإيجاد الكلمات المناسبة بشكل خاص للتعبير عن مسألة معينة ، وإنما يصُفُّ جميع المترادفات المتوفرة لمفهوم معين خلف بعضها ..، والنتيجة التي تسفر عنها هذه الطريقة في الكتابة هي جمل هائلة حقاً تملأ فيها ) )ص 145.

أما مضمون كتبه الإلحادية الأخيرة فهو التمحور حول ثلاثة موضوعات:

الأول: تفسير الدين والتدين والوحي ، والموضوع الثاني: الحديث عن الله - جل وعلا- في الديانات السماوية ، والثالث: الموقف من العرب وبالأخص من القومية العربية ، أما الموضوعان الأوليان فقد كررهما كثيراً في كتبه معبراً عن رأيه فيهما بطريقة استفزازية ، وبصراحة وقحة ، واستخفاف بمشاعر القارئ المؤمن ، فهو يرى أن الدين تعبير حياتي يعود إلى طبيعة النفس البشرية وحاجاتها وكل شعائر الأديان تعبيرات يختلقها الإنسان ؛ لإشباع حاجات نفسية، ثم يضفي عليها طابع التقديس لحاجته النفسية إلى الأمن والطمأنينة . أما حديثه عن الوحي فيبين عن مدى الارتكاس الإلحادي الذي وصل إليه القصيمي، فهو يرى أن الوحي شكل مرضي من أشكال رد الموحى إليه على المشاكل الاجتماعية والنفسية التي يتعرض له ، ويرى أن النبوة هي تعبير عن الألم النفسي والقنوط الدنيوي اللذين يؤثران على التصورات الدينية التي يتسببان في نشوئها .

أما الله ( جل جلاله ) فهو يرى أنه مرآة للإنسان والمجتمع فهو يكتسب صفاته تبعاً لثقافة المجتمع (سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ) وكان يتفادى بادئ الأمر التكلم عن ( الله الواحد الأحد ) ويستعمل بدلاً من ذلك تعبير ( الإله ) وكثيراً ما يأتي بصيغة الجمع ( الآلهة ) أو يستعمل كلمة ( الألوهية ) أما في كتاباته المتأخرة في الثمانينيات فقد سقطت هذه المحظورات ، وأخذ يستعمل بصورة متزايدة كلمة (الله) مباشرة في جُرأة إلحادية وقحة ، تبين عن مدى إصراره على الإلحاد ورفض الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت