سؤال: مع سطوع نجم العولمة انقسم المسلمون في النظرة تجاهها، فهل بالإمكان استغلال العولمة لإنضاج معرفتنا كمسلين، أم أن العولمة كائن مفترس لا يمكن مواجهته أو التعامل معه بأي طريقة كانت ؟!.
الجواب: العولمة لها -من حيث الجملة- جانبان:
الجانب الأول: فكري اعتقادي أخلاقي سلوكي، منهجي، ضمن إطار سياسي استعبادي استغلالي يقوم على فلسفة (افترس غيرك قبل أن يفترسك) ، وعلى مبدأ (إسقاط الخصوصيات) الثقافية والأخلاقية والحضارية، وهذا يجب الحذر منه والتحرز من مخاطره وأمراضه، ومقدماته وتوابعه.
الجانب الثاني: تقني إداري مهاري معلوماتي، وهذا يمكن الاستفادة منه، وإسالة خبراته إلى أودية المسلمين.
ويجب التفريق بين هذين الأمرين تفريق يقوم على معطيات واقعية، وتحركات عملية وتصرفات ميدانية، وتنظيرات معلنة، وخطط مبرمجة، تفريق يعطي كل عاقل -ينتمي لأمته- القدرة على الفصل الحقيقي بين أهواء العصر ومقتضياته.
سؤال: الوقوف بوجه الحداثة كان أحد أهم سمات عملكم،هل يعتقد فضيلة الشيخ أن المجتمعات الإسلامية قد نجحت بوعيها الفطري بحقيقة الإسلام من تضييق الخناق على مثل هذه الأفكار الدخيلة؟
الجواب: لقد كان لرصيد الفطرة في قلوب المسلمين من الأثر ما جعل شبهات الحداثة والعلمنة تعيش في دوائر محدودة، كما كان لوقوف علماء الأمة ودعاتها ومثقفيها وأدبائها ما جعل زيف هذه المستوردات ينكشف بشكل كبير، ولكن هناك من أسباب بقاء هذه (الفيروسات) الفكرية ما نخشى معه انتشار هذه المذاهب الهدامة، واختطافها لبعض أبناء وبنات المسلمين، ومن هذه الأسباب:
1-الجهل بدين الله تعالى.
2-ظلم النفس بالمعاصي والذنوب والآثام.
3-الآلة الإعلامية الضخمة التي تشهر هذه الأمراض وتنشرها ،وتدعو إليها،وتزين أحوال المرضى الفكريين وتحسن من صورتهم.
4-الإحباطات والهزائم.
5-مواقف بعض الدعاة والعلماء والمتدينين التي قد توحي بالتخلف والجمود.
6-ضعف وسائل العرض المشوقة للدين وأحكامه، وآدابه، وضوابطه، ومعاييره،وثقافته.
7-الزهد المذموم في المشاركات الإعلامية،من قبل بعض الدعاة وطلاب العلم، والمثقفين.
8-التقليدية في عرض الأفكار ومناقشة الآراء ،وطرح النتاج الأدبي والثقافي.
حدود الاجتهاد
سؤال: هل فقدت الأمة- بعلمائها وعامتها في مرحلتها التاريخية هذه- الوعي اللازم الذي ينبغي استلهامه لفهم واقعها، ومن ثم القبول بالآخر المسلم؟ وكيف لعقل المسلم أن يتجاوز إشكالية الاختلاف مع المسلم؛ ليفتح أبوابه لإخوانه في كل مكان، ووفق كل اجتهاد مقبول؟!
الجواب: التخلف والاختلاف قرينان، إذا وجد أحدهما وجد الآخر، والبغي بالعلم أمر حذر الله منه، وبين أنه من أسباب فساد الأمم قبلنا (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة:213)
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (آل عمران:19)
والتعصب والقسوة سمة الشرطة والعسكر والمحاربين، في حين أن اللين واللطف والرفق سمة الدعاة والمصلحين.
كما أن من أظهر صفات الأنبياء عليهم السلام الحب للناس والتسامح معهم والتلطف بهم، وقد قيل في التعصب ( العصبي عنيد أو غبي ) .
أما أن كل اجتهاد مقبول فليس هذا على إطلاقه، فهناك اجتهاد مقبول وله شروط ولأصحابه مواصفات، وهناك اجتهاد مردود وباطل، والمطلوب هنا تعلم الطرق التي نستطيع فيها التناصح لا التفاضح، والمجادلة بالتي هي أحسن لا المعاركة بالتي هي أخشن.
وفي التصنيف الظالم والحكم الجائر خدمة للشر وأهله، وتشتيت لقوة أهل الإيمان المعنوية ، وتفتيت لروح التساند الواجب ، وخدمة لأعداء الأمة بإفناء قوة التلاحم المعنوية وأحاسيس الجسد الواحد، وجلب أسباب الهزيمة قال الله تعالى)وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46)
الثقافة ودور المثقفين
سؤال: للحضارة الإسلامية أوجه إبداع مازالت تشكل نواة لانطلاق الحضارة الحديثة ؛ إلا أن المفكر يتعجب وهو يرى هذا التاريخ المشرق في كل قيم العدل والخير والإيمان إزاء ضآلة التجربة الفكرية السياسية وعدم نموها. الأمر الذي شكل في عصرنا الحاضر مفتاحاً أساسياً لغزو الفكر الغربي، فمن المسؤول عن تقزيم العلاقة المهمة والتاريخية بين الإنسان الراعي والإنسان الرعية في كنف الدولة الإسلامية على مر التاريخ والعصور المتتالية؟