وجريمة هدم المسجد البابري التاريخي ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة، حيث إن هدم المساجد والاعتداء عليها ومحاولة تدنيسها مسلسل مستمر في أنحاء الهند المختلفة، فبعد تدمير المسجد البابري، ادَّعى المتطرفون الهندوس أن مسجدين آخرين فيهما مقابر هندوسية، ويحاولون الآن الاستيلاء على مسجد آخر في نيودلهي، ومنعت الشرطة ناشطي حركة (فيشوا هندو باريشاد) ومنظمة الشباب التابعة لـ (بارانج دال) ، من أداء شعائر هندوسية في مسجد (قوة الإسلام) في مجمع قطب، وتقول المجموعات الهندوسية: إنها تريد إعادة بناء معبد هندوسي يزعمون أن الحكام المسلمين دمروه، وكان في مكان المسجد !.
وفي جريمة مماثلة لهدم المسجد البابري الأثري، قام متطرفون هندوس بهدم مسجد أثري يعود إلى العهد المغولي في 27يوليو2001م، وبناء معبد هندوسي مكانه في زمن قياسي.. وهو مسجد أثري يسمى بمسجد (سواي بهوج) ببلدة (أسيند) الواقعة بمديرية (بهيلوارا) التابعة لولاية راجاستان الهندية .
وقد أنشأ هذا المسجد جيش الإمبراطور المغولي، حين عسكر بهذه المنطقة في القرن السادس عشر الميلادي، وهو مسجد من الطراز (القلندري) ، الذي يكون من غير سقف، ويتضمن جداراً في ناحية الكعبة وقاعدة مرتفعة وثلاث منارات.. وهذا المسجد يتبع مجلس الأوقاف بالولاية، وهو تنظيم حكومي يرعى الأوقاف الإسلامية.
وتكتمت سلطات المنطقة على هذه الجريمة، فلم تصل أخبارها إلى عامة الناس إلا عندما خرجت صحيفة (هيندو) بهذا الخبر على صدر صفحتها الأولى. وقالت الصحيفة وقتها: إن تكتُّم السلطات يعود إلى خوفها من تدهور الوضع الأمني؛ نظراً لوجود توتر شديد في المنطقة بين الطائفتين المسلمة والهندوسية عقب هذا الحادث.
وقد وقع هذا الحادث الإجرامي عندما هجم نحو (300) هندوسي على المنطقة، فحرقوا الخيام ثم اتجهوا إلى المسجد وأزالوه من الوجود، كما فعلوا عند هدم البابري، ثم أحضروا مواد البناء، وأقاموا معبداً على الأنقاض، يتضمن قاعدة من المرمر وتمثالاً لبعض آلهتهم المزعومة، بينما شوهدت كوكبة من الشرطة بالمكان وبدون حراك.. ومن الواضح من سياق الأحداث وسرعة إنشاء المعبد أن العملية لم تكن عفوية، بل كانت الخطة معدة سابقاً.
وقد تم الكشف عن الحادث عندما تقدم أحد المسلمين من مدينة (أسيند) بشكوى لمجلس الوقف الذي يشرف على المسجد في ولاية (راجاستان) . واتهم أمين مجلس الأوقاف (ناصر علي نقوي) سلطات المديرية بالتقصير في أداء واجبها، وطالب بإعادة المسجد كما كان سابقاً، وقال بأن السرعة التي أقيم بها المعبد تدل على أن العملية كانت قد حبكت مسبقاً.
قانون يصادر حريات المسلمين
وإلى جانب الاعتداءات المستمرة على مساجد المسلمين، تضيع حقوق المسلمين هناك وحرياتهم، في ظل قوانين جائرة فصِّلت خصيصا للمسلمين، فقد استغلَّت الهند الحملة العالمية ضد الإرهاب، وشهرت الحكومة الهندية سلاحًا جديدًا في وجوه المسلمين؛ لكبتهم ومصادرة حقوقهم المشروعة، بدعوى مطاردة الإرهابيين، واجتثاث الإرهاب، مستغله حملة بوش وأحداث 11 سبتمبر. وهذا السلاح الجديد يتمثل في قانون يصادر حريات المسلمين تقدمت به الحكومة، ويترتب عليه اضطهاد مَن تريد السلطات من المسلمين، والزج بهم في المعتقلات بتهمة الإرهاب، وحظي القانون الجديد بدعم وزير الداخلية (لال كرشنا أدفاني) الذي كان ضالعًا في هدم المسجد البابري، وهو يكره الإسلام والمسلمين كرهًا شديدًا.
وهذا القانون الجديد يصادر أبسط حقوق المرء الحر، ومن المعروف أن القوانين السوداء التي تهضم حقوق الإنسان وحريته في الهند ليست جديدة في البلاد، ولا هي بدعًا من الأمر، وقد ذاقت الأقليات في الهند -وخاصة المسلمين- ويلات تلك القوانين الجائرة.
فقد وضعوا من قبل قانوناً لمحاربة الإرهاب السيخي في البنجاب، ولمدة ستة أشهر فقط، إلا أنه بقي ساري المفعول لعشر سنوات طوال، واعتقل بسببه وعُذِّب في السجون كثير من الأبرياء في كل أنحاء البلاد، وكان معظمهم من المسلمين. والغريب أنه رغم أن القانون وضع لمحاربة الإرهابيين في البنجاب، فإن معظم المعتقلين كانوا من ولاية غجرات، لا من البنجاب!، ومن المسلمين، لا من السيخ! وهذا الذي يجعل المسلمين يتوخون الشر كل الشر من أي قانون لمكافحة الإرهاب، حيث تلصق بهم تهم الإرهاب ويعتقلون ويعذبون، وهكذا، كان المسلمون دومًا، ضحية كل القوانين الجائرة في البلاد.
ولقد ظلَّت السلطات الهندية - لا تحت حكم حزب بهارتيا جاناتا وحده، بل في ظل كل الحكومات الهندية السابقة- تتخذ مقاييس مقلوبة، تجعل البريء متهمًا والمجرم بريئًا. فالمسلمون الذين هُدّمت مساجدهم، وسُفكت دماؤهم، وذُبحوا بالآلاف، ونُهبت أموالهم، ودُمِّر اقتصادهم، وهُتِكت أعراضهم، ودُمِّرت مؤسساتهم التجارية نُعتوا بأنهم (إرهابيون) !، بينما اعتبر الهندوس الذين اقترفوا كل هذه الجرائم البشعة في حق المسلمين (وطنيين غيورين) ! وتحريض رؤساء الجماعات الهندوسية المتطرفة أتباعهم على حمل السلاح (ضرورة أمنية) .