هذا.. ويغلب على التجديد الناشئ في الخطاب العلمي المتعلق بهذه المسائل أنه يرجع في الجملة إلى اختلاف العصر والزمان، وليس اختلاف الحجة والبرهان، فقد جدت متغيرات كثيرة في الساحة الدعوية، وتجدّد معها الموقف الفقهي والدعوي تجاه كثير من هذه القضايا، ويبقى بعد ذلك أن النظر في هذه المسائل دقيق وشائك، ففي أزمنة الفتن وغربة الدين يكثر اختلاط المصالح بالمفاسد، فلا تكاد تتمحض مصلحة في كثير من المواقف، بل الاختلاط الذي ينشأ عنه الالتباس والإيهام، فهو بحق مزلة أقدام ومدحضة أفهام، والمعصوم من عصمه الله -عز وجل- ولا يخفى أن مرد الخطأ والصواب في هذه الاجتهادات إلى توفيق الله -عز وجل- للمباشرين لها بحيث ينضبط الأمر في أيديهم على موازين الشريعة ومعاييرها ومقاصدها.
هناك من يرى أن الجماهير متقدمة في مبادراتها ووعيها -أحياناً- على قياداتها السياسية والفكرية وحتى"العلمانية"، فبرأيك لماذا أصبح الوعي خارج العلماء والدعاة أكثر حيوية وفعالية؟
أول ما نقف عنده هو هذا التعميم، فلا يصلح إطلاق القول بأن الوعي خارج العلماء والدعاة أصبح أكثر حيوية وفاعلية، بل لا يزال من العلماء والدعاة من يعيشون زمانهم، ويعرفون أحواله ولكنهم يلجمون نزوات الانفعالات بلجم العقول وضوابط الحكمة، فيحسبهم بعض الناس مغيبين وما هم بمغيبين، ولكنهم أهل علم وحلم وبصيرة وتأمّل في العواقب واعتبار بالمآلات! وأرجو ألاّ تكون من ذلك ذريعة -وإن كانت غير مقصودة- إلى مظاهرة العلمانيين في الحض على علماء الشريعة وشن الغارة عليهم، ورميهم بالتهم والمناكر لتسقط حرمتهم ومهابتهم من النفوس؛ فيسقط بسقوط ذلك ما يحملونه من مواريث النبوة!
حق العامي هو تقليد العلماء، وأن يسأل من يثق في أمانته وعلمه، لكن كيف يمكن للعامي أن يضع ثقته في عالم يدين الله بفتواه، وهو لا يملك المعايير والآليات التي على أساسها يقيم هذا العالم؟
الموقف الشرعي في نوازل هذا العصر بل وفي باب الفتيا بصفة عامة إنما يتكون من خلال المزج بين خبرة الخبراء وفقه الفقهاء، فالفتوى -كما يذكر أهل العلم-"معرفة الواجب في الواقع"، فلا بد فيها من المعرفة بكلا الأمرين: الواجب والواقع، أي خبرة الخبراء وفقه الفقهاء، وأي خلل في أحد هذين الجانبين ينعكس على الفتوى بالخلل والقصور لا محالة، فإذا قصّر المستفتي في عرض نازلته أو طاف به في عرضها على المفتي طائف من الهوى فلا يلومنّ إلا نفسه! لأن المفتي أسير المستفتي، والمفتي إنما يفتي على نحو ما يسمع، كما أن القاضي إنما يقضي على نحو ما يسمع، وقد رأيت بنفسي في كثير من المواقع كيف يكون التأثير على المفتين واستنطاقهم على نحو معين تنسجه أهواء المستفتين، فيكون الغش في عرض النوازل والمبالغة في تصوير الحاجات؛ لتصبح من قبيل الضرورات، فكيف يُلام في ذلك علماء الشريعة إذا كان المستفتي عيياً أو صاحب هوى؟!
لقد صُوّر لفضيلة المفتي السابق لمصر أن المحجبات في الغرب يتعرّضن لخطر القتل، وانتهاك الأعراض بسبب الحجاب فهل يجوز لهن الترخص بخلعه؟ فأجاب فضيلته بالإثبات، وطيرت الصحف ذلك كل مطير، وفتوى فضيلته صحيحة لو صحّ تصوير النازلة على النحو الذي صُوّرت به وهو غير صحيح، ثم تبقى لها في هذه الحالة بقية، تتمثل في أن على المرأة المسلمة التي استضعفت عن إقامة فريضة الحجاب أن تهاجر إلى بلد آخر لا تتعرض فيه لمثل هذه الفتنة عند القدرة على ذلك، وآية سورة النساء في الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، والذين يعتذرون بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض دليل ظاهر على ذلك.
ومن ناحية أخرى فإن على حملة الشريعة أن يتفطنوا لمثل هذه الأحوال، وأن يكونوا على صلة متجددة بما يطرأ في زمانهم من نوازل ومتغيرات، وألاّ تعجّلهم إلحاحات بعض المستفتين فتخرجهم عن منهج الرويّة والتثبّت، واستجلاء الأمور بدقة تتناسب مع جلال الفتوى وخطورة منزلتها، وأن يذكّروا طالب الفتوى بالله -عز وجل- وأن يعلّموه أن فتوى المفتي لا تُحل حلالاً ولا تحرّم حراماً، بل الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
إنه لا يجمل بفقيه من الفقهاء في واقعنا المعاصر -مثلاً- أن يُسأل عن رأيه في شركات التأمين فيفيض في القول في أهمية الأمن وضرورته للمجتمعات، ويفوته النظر إلى ما تتضمنه عقود التأمين من غرر وميسر وربا ونحوه من أسباب فساد العقود.
ومن ناحية أخرى فإن على المستفتي أن يبين الواقع للفقيه حتى تكون فتواه مطابقة لهذا الواقع، وأحسب أن المجامع الفقهية المعاصرة تنحو هذا المنحى ؛ فهي تضم في صفوفها كوكبة من الفقهاء والخبراء، ومن ثم كانت قراراتها أقرب إلى القبول العام من الفتاوى الفردية التي تُنسب إلى هذا العالم أو ذاك.
ما مفهوم المرجعية الدينية عند أهل السنة مقارنة بالمراجع الدينية لدى غيرهم ؟