فهرس الكتاب
وبالرغم من أن أفراد تلك الحركات المتطرفة قليلون بالمقارنة بتعداد العالم الإسلامي إلا أن الغالبية الصامتة التي تؤيد وتناصر هذة الحركات لمجرد أنها ترى فيها محاولة جريئة لتغيير واقع بائس، هي التي يجب أن تحظى باهتمام الغرب وفقاً لفولر. ذلك أن الاستياء والغضب اللذين يعتملان في أوساطها سيصنعان الأجيال القادمة من المتشدّدين لتخلف تلك القيادات والكوادر يتم القبض عليهم في الحملة الحالية.
لكن، هل الإسلام أو الانتماء للحركات الإسلامية ينتج بالضرورة أفراداً يميلون للعنف؟ أم أن المسألة تخضع لطبائع الأفراد والنزعات الشخصية؟ (فولر) الذي يطرح هذه التساؤلات يصرّ على أن الإسلام في أصله ليس دين عنف، وإنما دين سلام وعدل كغيره من الأديان.
وفي حين أن بعض الحركات تصمم على صياغة أفكار متطرّفة ومتشدّدة نرى حركات أخرى تنهج نهجاً معتدلاً وكلتاهما مرجعيتهما الإسلام. أما نزوع الأفراد نحو العنف فذاك يعود للفرد نفسه ودرجة غضبه وأسلوبه في التغيير، ومما لاشك فيه أن الظرف المعيشي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ككل تجعل الفرد معبأ ابتداءً ومستفزاً قبل أي تعبئةٍ أيدولوجية. ولذا فإن الإسلام يبدو لكثيرين وسيلة مناسبة لإحداث فعل تغييري في واقعهم أكثر من غيرها.
الإسلام والغرب
لعل مسألة الإسلام والغرب هي أكثر القضايا الحاسمة في مستقبل الحركات الإسلامية. هل ما تنبّأ به صامويل هننغتون حقيقة واقعة وأن صدام الحضارات أمر لا مناص منه؟ أم أن هناك عوامل موضوعية تتسبب في الإحتكاك القائم بين الغرب والعالم الإسلامي؟
مما لا شك فيه أن العالم الإسلامي يتميز من بين باقي بقاع العالم غير الغربي بامتلاكه فلسفة وعقيدة شاملة ومتماسكة للحكم والقانون والمجتمع. الأمر الذي يتيح للإسلام السياسي استمداد أكبر مصادر قوته من محاولة تمثيل هذا البديل الحضاري في الحكم والاجتماع لمقابلة النموذج الغربي السائد.
من جانب آخر فإن ليس بالإمكان تناول الإحتكاك بين الغرب والعالم الإسلامي دون التطرق لمسألة قيام إسرائيل والدعم الغربي، ذلك أن إسرائيل -للعديد من العرب- رمز ونتيجة للحقبة الاستعمارية، وبقاء القضية الفلسطينية معلقة يُبقي مشاعر العداء للغرب متّقدة. فجميع المسلمين مستفزّون ومحبطون بسبب الاحتلال الإسرائيلي الظالم للضفة الغربية وغزة، ومع حضور وضع القدس في الصراع صار العالم الإسلامي يتعامل مع الصراع انطلاقاً من زاوية أن هناك مقدّسات في خطر. وستبقى العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب في هذا الوضع المتهاوي والمتدهور حتى يتم التوصل لتسوية عادلة بنظر الجميع.
إن الهوة اليوم بين الغرب والعالم الإسلامي كبيرة جداً، فالغرب وإن كان ليس مطالباً بتبني جميع قيم وأفكار المسلمين ولا الإسلاميين، إلا أنه لا بد له من تحري وفهم مصدر وطبيعة هذة الهوة القائمة وأن يعمد جدياً إلى معالجة هذا الأمر واحتوائه قبل أن يصل لحدّ التفجّر.
من المتوقع في العقدين القادمين أن تتزايد الضغوطات على الحركات الإسلامية مع تحقيقها لمكاسب سياسية على امتداد العالم الإسلامي. وسُيتوقع من الحركات المعتدلة، والتي لن تلقى المزيد من تحدّيات الوجود والبقاء أن تقدّم للجمهور بعض الإجابات والحلول الفعّالة لمشاكل الواقع.
من جانب آخر ومع استمرار السياسات الخارجية الأمريكية على ما هي عليه وإصرارها على الحرب ضد الإرهاب بشكلها الحالي فإن العلاقة بين الإسلام والولايات المتحدة ستبقى في تدهور، وستتأجّج مشاعر العداء في العالم الإسلامي تجاه أمريكا بل وستتزايد العمليات التي تستهدف الأمريكيين؛ مما سُيبقي أمريكا في حالة تصادم مع العالم الإسلامي. وهذا سينعكس على الجبهة الداخلية؛ إذ ستتعزز حالة التوتر القائمة بين المسلمين في الغرب والمجتمع الغربي الأمر الذي سيهدّد حقوقهم المدنية، وفي الوقت ذاته تقوم الأنظمة في العالم الإسلامي بالتضييق وملاحقة الحركات والمنظمات الإسلامية مما سيدفع بالكثير منهم نحو التطرف. بل قد يشتّت الكثير من تلك الحركات عن الأهداف الأساسية التي قامت لإجلها؛ كبناء المجتمع المسلم سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً وعسكرياً. إذ سينصب اهتمامها على الدفاع عن نفسها وربما الانتقام. الحركات الوحيدة التي قد تُبقي على شيء من التوازن والإعتدال وتصرف جُلّ جهدها نحو بناء نسيج اجتماعي متماسك وجو سياسي سليم هي تلك الموجودة في ظل أنظمة تحافظ على حد أدنى من الممارسة الديموقراطية.
سينزع الإسلاميون لدعم حركات التحرر والانفصال للأقليات المسلمة في الدول غير المسلمة مثل الشيشان وكشمير وغيرها. أما محلياً فإن الإسلاميين سيكونون من أهم أدوات الإصلاح والتغيير في مجتمعاتهم خاصةً تلك المنغلقة.