فهرس الكتاب

الصفحة 6397 من 27364

وهذا القصف كما يرى المراقبون يُعد إجراء من مساعي أكاييف للجم موجات أوزبكستان والصين في أراضي قرغيزستان، حيث تمارس الدولتان ضغوطاً شديدة للعصف بالإسلاميين المتعاطفين مع المجاهدين الأيجور الصينيين الذين لهم امتداد في الأراضي القرغيزية والمعارضون لنظام كريموف، وقد حملت الضغوط المتتالية نظام أكاييف على القبض على الإسلاميين وتقديمهم لمحاكمات صورية ألقت بهم في السجون، وقوبلت بانتقادات شديدة من جماعات حقوق الإنسان، وهذه المحاكمات التي شكلت أول نواة في الجنوب لمعارضة حقيقية لحكم أكاييف.

تنازلات أكاييف المتعددة لم تقف عند هذا الحد بل إنه سمح للأمريكان بإقامة قاعدة عسكرية قرب العاصمة بتشكيك، وهي القاعدة التي تحولت إلى دولة داخل الدولة، وإضافة إلى موافقتها على حصول الرعايا الأمريكان على تسهيلات تكفل لهم حرية الدخول والخروج من البلاد دون قيود ناهيك عن حرية حمل السلاح.

قاعدة نفوذ صهيوني

يرى المراقبون أن الموافقة على إقامة هذه القاعدة كانت لخطب ود الأمريكان، وجلب حمايتهم لإنقاذ نظامه من طموحات الصين وأوزبكستان التي كثيراً ما تتحرش بقرغيزستان، وكانت آخر مظاهر هذا التحرش إحلال القوات الأمريكية لوادي سرجوب القرغيزي، والتهديد بقطع إمدادات النفط والغاز الطبيعي عن بشكيك إذا لم تسدّد ديونها بالأسعار التي حددتها طشقند.

لم يقف أكاييف في خطب ودّ الأمريكان عند هذا الحدّ لكنه حوّل بلاده إلى محطة لنفوذ الموساد الإسرائيلي الذي يتخذ من بشكيك مقراً للانطلاق إلى مناطق آسيا الوسطى للمشاركة بفعالية في الحرب المزعومة على الإرهاب لدرجة أن الوحدات الصهيونية التي لعبت دوراً مهماً في تصفية نظام طالبان والحركات الإسلامية في أوزبكستان كانت تنطلق من قرغيزستان.

فقر وفساد

تنازلات أكاييف التي قدمها بدون حساب، لم تفلح في تحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد حيث يعاني أكثر من 30 % من الشعب من البطالة ويعيش أكثر من 70 % تحت خط الفقر بينما يعيش النظام وحاشيته في بحبوحة محروم منها غالبية الشعب، ويعد من الأمور العادية في البلاد بالإضافة إلى انتشار الفساد والرشوة، وكذلك لم ينجح أكاييف في إنهاء حالة الاحتقان السياسي كمدخل في مواجهة مع المعارضة بشقيها العلماني أو الإسلامي إن جاز القول بوجود تيار إسلامي، لأن هذا التيار لا يزال في أول الطريق، ولم يسبب إزعاجاً لنظام أكاييف، ولم يبدأ في لعب دور يذكر إلا بعد أحداث مارس الماضي عندما قصفت طائرات أكاييف وكريموف معسكرات لحزبي النهضة والتحرير الأوزبكيين اللذين يتخذان من منطقة الحدود القرغيزية محطة لانطلاق هجماتهم لإنهاء عصر نظام كريموف الدموي، ويكتفي النشطاء الإسلاميون حالياً بدور دعوي محض ويركزون جهودهم في إنشاء المساجد والمدارس الإسلامية لتوعية (2) مليون قرغيزي يعانون من تدني معارفهم الدينية لانقطاع صلاتهم بالعالم الإسلامي وافتقارهم للكوادر المؤهلة، وقيام السلطات بطرد منظمات الإغاثة الإسلامية المتعددة التي تعمل في البلاد في إطار الحرب الدائرة على هذه المنظمات بإيعاز من واشنطن التي تقدم معونات (800) مليون دولار سنوياً لإنعاش ميزان المدفوعات المنهار مقابل هذا التعاون في الحرب ضد الإسلام.

ويُعدّ هذا الاستعراض لخطايا نظام أكاييف والتي أدّت إلى إسقاطه بصورة لم يكن يتوقعها أحد حتى أكثر المتفائلين في صفوف المعارضة أو المراقبين الدوليين؛ فالدعم الأمريكي الصهيوني وحتى الروسي الذي كان يُقدّم لنظام أكاييف لم ينجح في لجم الغضب الشعبي العارم الذي قام بثورة قرنفلية أطاحت بالنظام في أقل من عشرة أيام وتكرارها في دول أخرى أمر مرجح جداً.

وكان غضب المعارضة العارم له ما يبرره؛ إذ إن أكاييف الذي زوّر الانتخابات كان يستعد لإحداث تعديل في الدستور يتيح له الاستمرار في السلطة لخمس سنوات قادمة رغم الوعود التي قدّمها في السابق بالتنحي نهاية هذا العام ولكن الشعب القرغيزي الذي أمضى أكثر من (70) عاماً تحت بطش العصابات الشيوعية انتفض ضد الفساد السياسي والاقتصادي الذي امتاز به حكم أكاييف الذي لم يفلح في تحقيق نهضة اقتصادية توجد لنظامه القدرة على مواجهة ثورة الشعب، وهي الثورة التي اندلعت قبلها في جورجيا وأوكرانيا، ويُنتظر لها أن تقض مضاجع نظم عديدة مجاورة مثل نظامي كريموف الدموي في أوزبكستان التي يواجه معارضة قوية، وصابر مراد نيازوف في تركمانستان الذي يعيش خارج إطار الزمن، والغضب على النظامين السابق ذكرهما يفوق بكثير ما كان يتعرض له نظام أكاييف الذي تخلّى عنه الصديق قبل العدو؛ فواشنطن التي سمح لها أكاييف بوجود عسكري لم يتعد موقفها الإعراب عن ضبط النفس للحفاظ على الاستقرار في البلاد، وكذلك موسكو التي لها قاعدة جوية بالقرب من العاصمة في التعاون مع النظام الجديد مبدية استعدادها لقبول أكاييف كلاجئ سياسي.

زلزال قوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت