2.بناء إجماع استراتيجي مؤيد للولايات المتحدة من باكستان حتى البحر المتوسط، وتجديد فكرة النظام الشرق أوسطي، لكن هذه المرة بالاعتماد على عامود جديد في السياسة الأمريكية هو العراق -ما بعد صدّام حسين- وإدماج كل من العراق والكيان الصهيوني وتركيا والدول الحليفة للولايات المتحدة في تحالف ونظام سياسي-اقتصادي، يتناسب مع المصالح الأمريكية والنفوذ الأمريكي في المنطقة، ويعمل على محاصرة الدول الممانعة -إلى الآن- للأجندة الأمريكية مثل سوريا وإيران، سعيا إلى تغيير سلوكهما في المنطقة .
3.الحفاظ على وجود عسكري أمريكي في المنطقة يتيح للولايات المتحدة التدخل -عند الحاجة- للحفاظ على مصالحها في المنطقة ودرء الأخطار المحتملة.
إلاّ أنّ أبرز ما في الأهداف الأمريكية، هو الدرس الذي تعلمته الولايات المتحدة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والذي لخصه مارتن أنديك بقوله"إنّ خطأ واشنطن الوحيد في الشرق الأوسط هو دعم نظم فشلت على نحو مستمر في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها، إن هذه النظم فضلت التعامل مع مشكلة حرية التعبير عن الرأي السياسي في بلدانها عن طريق توجيه المعارضة ضدنا". . هذا الدرس المرتبط بالإجابة على تساؤلات رئيسة طرحها الفكر الأمريكي حول السبب الذي يدفع عددا من الشباب من الدول العربية إلى مهاجمة الولايات المتحدة في عقر دارها، والذي ربطه المفكرون والمنظرون الأمريكان بالظروف السياسية والاقتصادية السيئة التي يعيشها المواطن العربي، والناتجة عن فشل الحكومات الموجودة في الإدارة وبسبب الفساد السياسي والقمع والتهميش..الخ. في هذا السياق برز مفهوم"الدولة الفاشلة"الذي انطلقت منه استراتيجية الأمن القومي الأمريكي بعد 11 سبتمبر، ومن ثم مبادرة كولن باول وخطاب ريتشارد هاس -رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية- والتي تركز جميعها على سعي الولايات المتحدة إلى إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية وثقافية في العالم العربي. فسياسيا: ستسعى الولايات المتحدة إلى تشجيع مزيد من الإصلاحات الديمقراطية وحقوق الإنسان وإثارة الأقليات… ولو بشكل صورة ودعاية، أما اقتصاديا: ستعمل الولايات المتحدة على تشجيع التحول نحو اقتصاد السوق وبرنامج صندوق النقد الدولي، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وثقافيا: من خلال إصلاحات تعليمية وتشجيع الثقافة المتغربة والليبرالية والمؤسسات التي تعمل على نشرها.
لقد أنتجت التطورات المتلاحقة والتي تلبّست بها الحملة الأمريكية على العراق ضعفا وأزمة لدى الأنظمة العربية الحالية، نطلق عليها:"أزمة الشرعية المزدوجة"؛ حيث تعاني هذه الأنظمة من ضغوط وأزمة عدم رضا من قبل الولايات المتحدة بسبب اتهامها بالفساد والفشل في التعامل مع إدارة دولها ومجتمعاتها، كما تعاني في ذات الوقت من أزمة شرعية في علاقتها مع شعوبها، والتي تتهمها بالفساد الداخلي والعجز الخارجي أمام الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية.
في إطار هذه الحالة العامة تأتي الحملة الأمريكية على العراق والحرب المرجحة القادمة كـ"مفتاح ذهبي"لتنفيذ مشروع"الهيمنة الأمريكي"الذي يرمي إلى تحقيق الأهداف السابقة من خلال نوعين من القوة، صنفهما الخبير الأمريكي جوزيف ناي إلى: النوع الأول؛ قوة سياسية واقتصادية وعسكرية Ha r d powe r ، والنوع الثاني؛ قوة النموذج الأمريكي في الحياة الثقافية والاجتماعية، والذي يعتمد على القيم والأسلوب الأمريكي في الحياة، ويتسلل إلى ثقافة الشعوب وأخلاقهم ورؤيتهم للحياة Soft powe صلى الله عليه وسلم
إذاً الحملة الأمريكية لا تقف عند حدود العراق وإنما تنطلق من العراق لبناء هيمنة كاملة على المنطقة، ولا تكتفي الإدارة هذه المرة بالسيطرة على الحكومات، وإنما تتوجه للتأثير بشكل أكبر على الشعوب، من خلال دعم النخب والمؤسسات الليبرالية والمنظمات غير الحكومية. ولعل هذا الطموح الأمريكي قد عبّر عنه أكثر من مسؤول أمريكي بالقول إنّ تحرير العالم الإسلامي سيبدأ من العراق والسلطة الفلسطينية بالتخلص من الحكام الموجودين، وبناء أنظمة ديمقراطية على الطريقة الأمريكية. مستغلين"مناطق الحرج"في الواقع السياسي العربي الحالي.
في مواجهة هذه الحملة وهذه الظروف التاريخية الحرجة والتي تنبئ بتغييرات حاسمة في المستقبل القريب، أين يقف الفكر العربي؟ وما هي الاتجاهات الرئيسة في التعامل مع هذه الحملة؟..
المخاض الفكري في مواجهة الحملة:
يشهد الفكر العربي اليوم مخاضا فكريا كبيرا في مواجهة الحملة الأمريكية على العراق ونتائجها المتوقعة، ويمكن رصد وقراءة معالم عدة اتجاهات فكرية تبرز في معمعة هذا المخاض، ويبدو أنّ أبرزها هي الاتجاهات الثلاثة التالية: اتجاه المقاومة والمواجهة، الاتجاه الليبرالي الغربي، اتجاه المراجعة الحضارية،
ولكل اتجاه مؤيدون ومقولات رئيسة..
أولاً/ اتجاه المقاومة والمواجهة: