فهرس الكتاب

الصفحة 6411 من 27364

يستمد هذا الاتجاه رؤيته من تعريف الوجود الأمريكي في الدول العربية على أنّه احتلال، والمشروع الأمريكي بأنّه"مشروع هيمنة"يسعى إلى السيطرة على المنطقة لفترة طويلة؛ لضمان عناصر أساسية من القوة الأمريكية في القرن القادم في مواجهة القوى المنافسة العالمية الأخرى، ويسعى إلى تحقيق المصالح الأمريكية والصهيونية على حساب الأمة وكرامتها ومقدراتها.

ويتبنى هذا الاتجاه مجموعة كبيرة من المفكرين الإسلاميين والوطنيين، والذين يرفضون القبول بمقولة أنّ الولايات المتحدة تسعى لإيجاد إصلاحات سياسية واقتصادية، فأي إصلاحات تسعى إليها الولايات المتحدة وهي تدرك تماما أنها على المستوى السياسي ستأتي بالخيار الشعبي الحر المناقض للتوجهات والمصالح الأمريكية، وأي اقتصاد سيتحسن وأمريكا تستنزف خيرات الشعوب العربية، وتسيطر على ثرواتها، بل إن النمو الاقتصادي الأمريكي يستند أساسا على الفشل الاقتصادي في العالم الثالث، وبالتالي فالإصلاحات الاقتصادية والمطلوبة هي لإحكام الطوق حول المواطن العربي وأمله بالتحرر من الواقع الاقتصادي والسياسي المتدهور الذي يعيش فيه.

إذاً يرى هذا التيار أن الشر كله يتمثل في المشروع الأمريكي القادم إلى المنطقة، لكن ماذا بخصوص ميزان القوى الذي يميل لصالح الولايات المتحدة بشكل كبير، في ظل التفرد على المستوى الدولي وضعف النظام الإقليمي وعجزه عن مواجهة الحملة الأمريكية بل وخضوعه لها، وفي ضوء عجز الشارع العربي والقوى المحركة له عن بلورة استراتيجية شعبية عربية لإحداث تغييرات نوعية تنقل الحالة الشعبية العربية من الإحباط والغضب إلى العطاء السياسي التحرري المؤثر؟

يجيب أنصار هذا التيار بأنّ الرؤية التي يحملها هذا التساؤل في قراءة الظروف الحالية لموازين القوى، هي رؤية قاصرة تنظر إلى"السطح السياسي"دون التدقيق بقانون حركة الشعوب القائم على انتصار حركات التحرر الوطني ومشاريع مقاومة الهيمنة الأجنبية، ويضرب هذا الاتجاه المثال بما حدث للقوات الأمريكية في فيتنام، وفي لبنان، وفي الصومال، بل حتى الحوادث المتفرقة التي تحدث في العديد من الدول العربية ضد القوات الأمريكية.

هذا في حالة نجاح الولايات المتحدة في الحرب على العراق وفي إقامة الحكومة الموالية التي تريد، حيث يشكك هذا الاتجاه بذلك ويراهن على أن الولايات المتحدة لن تتهور إلى الحرب، ولكنها إذا فعلت تكون قد أدخلت المنطقة في حالة من الفوضى الإقليمية، فالشعوب والدول ليست أحجاراً على رقعة الشطرنج، وإنما عقائد ووجود ومصالح تحكم الحركة السياسية بكليتها.

كما يؤكد هذا الاتجاه على ضرورة مقاومة ومواجهة المشروع الأمريكي بكافة السبل السياسية والعسكرية، ويغلب جانب التحرير والمقاومة على كل الجوانب الأخرى: الاقتصادية والتنموية، ويرى هذا الاتجاه أن من خصائص الشعوب العربية الظاهرة الاستشهادية؛ والتي تبين أن هذه الشعوب تفضل الموت على القبول والاستسلام لسيطرة الآخر المستعمر والغازي، وأن حل مشكلات العرب والمنطقة ابتداء لا تكون إلاّ بمواجهة المشروع الأمريكي- الصهيوني وعدم التصالح معهما؛ إذ إنهما مصدر البلاء والمشاكل التي تعيشها الأمة العربية اليوم.

ثانيا/الاتجاه التغربيي الليبرالي:

يقوم هذا الاتجاه الفكري على تقييم الحالة العربية في الصراع والتنمية السياسية والاقتصادية بالفشل والضعف، بعد قرن كامل من المخاضات الفكرية والسياسية.

ويرى هذا الاتجاه أن المشروع الأمريكي القادم في المنطقة هو مشروع يدفع باتجاه تحرر الشعوب العربية من الأنظمة القمعية الفاسدة التي مكثت على قلبها فترة طويلة من العمر، وأنه مشروع يدفع بحركة المجتمعات والدول العربية نحو الواقعية السياسية والاقتصادية وشروط الدخول إلى المستقبل، والتحرر من الصراعات السياسية والأيدلوجية التي لم تساهم سوى في إفقار وضعف الشعوب العربية.

ويرى أنصار هذا الاتجاه أنّ الخلاص العربي من الحالة البائسة الضعيفة التي يعيشها هو في القبول بما يحمله المشروع الأمريكي -وثيقة الأمن القومي الأمريكي، مبادرة كولن باول- من الدعوة إلى الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية، مما ينقل العالم العربي والمنطقة إلى التفاعل الصحيح مع مقتضيات العولمة والانفتاح السياسي والاقتصادي، ويساهم في تحسين الوضع السياسي والإنساني للشعوب العربية، فالمشروع الأمريكي هو بداية لحلم التغيير العربي نحو العالم الحر المتقدم الواقعي.

ويرى هذا الاتجاه أنّ الأنظمة العربية والصراعات والشعارات والأيدلوجيات لم تزد الشعوب العربية إلاّ بؤسا وتخلفا بينما العالم يتقدم ويعالج مشكلاته بواقعية، ويقوم هذا الاتجاه الفكري على مجموعة من الكتاب والباحثين العلمانيين الليبراليين، والمؤسسات البحثية التي تتلقى تمويلا من الغرب، ومراكز حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، غالبا مرتبطة بمصالح أو علاقات بمؤسسات أمريكية، لكنها لا تحظى بقبول شعبي كبير، وتدعو إلى الاستمرار بالتسوية السلمية وتعميق العلاقة مع الولايات المتحدة.

ثالثا/ اتجاه المراجعة الحضارية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت