فهرس الكتاب

الصفحة 6412 من 27364

يقترب هذا الاتجاه الفكري في رؤيته العامة من طرح المدرسة الإصلاحية التي كانت في بداية القرن الماضي ونهاية القرن السابق، والتي كانت تدعو في لحظات المواجهة مع القوة الاستعمارية الغازية إلى بناء القوة الذاتية للأمة؛ لأنها هي القادرة على مواجهة الاستعمار، وإلى معالجة المشكلات الثقافية والاجتماعية التي تحول دون التطور الذاتي، وكانت هذه المدرسة تسعى إلى النهضة التعليمية والفكرية والثقافية والاقتصادية، التي تصلح شأن الأمة وتقوي عوامل الممانعة فيها ضد الأمراض الذاتية التي تتيح الفرصة للمستعمر الغازي وللفساد الداخلي، وكان تأكيد واهتمام هذه المدرسة ينصب على مواجهة التخلف والعمل على النهوض الحضاري.

ثم جاء مالك بن نبي فيما بعد وطوّر مفهوم"القابلية للاستعمار"، ووضع نظرية النهضة وشروطها، في محاولة للفت الانتباه إلى أنّ المشكلة ليست سياسية، وإنما ثقافية حضارية، وأن مشاكل الأمة تحل عندما يتحرر الإنسان العربي من السلبية واللافاعلية إلى العطاء والصناعة والإنتاج.

لقد انخفض صوت هذا الاتجاه كثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين أثناء مرحلة الاستقطابات والصراعات السياسية/الأيدلوجية الداخلية، ثم عاد ليقوى ويتعزز مع نهاية الحرب الباردة، وإخفاق الدول العربية في صراعها مع الكيان الصهيوني ومع التنمية في الداخل، وظهر زخم كبير له في السنوات الأخيرة مع عودة العديد من الباحثين والمؤسسات العلمية لقراءة عصر النهضة. وجاء تقرير التنمية الإنسانية في العالم العربي أخيرا ليعزز ويؤكد مقولات هذا الاتجاه من الإخفاق الشديد للعالم العربي في معالجة قضاياه ومشكلاته الذاتية .

وفي الوقت الذي لا يرى فيه هذا الاتجاه أن حل مشكلات العالم العربي يأتي من خلال الحملة الأمريكية، ويرفض أيضاً قبول أن الحل بالاتجاه غربا وإدارة الظهر للتراث والهوية، فإنه في المقابل يرفض مقولات مدرسة التبعية بتحميل الاستعمار كل مشكلات العالم العربي، ويرى أنّ الأسباب الداخلية هي التي أوجدت هذه المشكلات فضلاً عن الأسباب الخارجية، ويرى هذا الاتجاه أن الحل يكمن بالسعي للنهضة الحضارية والثقافية والاجتماعية لمواجهة التخلف بعيدا عن الصراعات السياسية التناحرية الداخلية التي أفقدت الشعوب العربية كثيرا من طاقاتها .

ويرى هذا الاتجاه أنّ المشروع الأمريكي والحملة على العراق تأتي لتكشف عن أعراض ونتائج المرض وليس أسبابه، وبالتالي مواجهتها تكون بالمراجعة الذاتية للحضارة العربية، والسعي نحو التقدم والخروج من حالة التخلف، ويرى هذا الاتجاه أن مقاومة ومواجهة المشروع الأمريكي تتم في بناء عناصر القوة الذاتية للأمة، فالجزائر خاضت حرب التحرير ضد المستعمر، وقدمت مئات الآلاف من الشهداء، لكنها تعود اليوم لتقف على أبواب صندوق النقد الدولي والدول الأوروبية طلبا للمساعدة في إدارة شؤونها الداخلية، والدول العربية لم تزد بعد الاستقلال إلاّ بؤسا وإهداراً للثروات، وسوءاً في الإدارة، وإذا كانت الدول العربية تعيش حالة من الاستبداد والقهر السياسي والتهميش الاقتصادي، فالحل لا يأتي من الخارج أو من الأمريكي الذي يسعى خلف مصالحه على حساب مصالحنا، وإنما الحل في إزالة القابلية للاستبداد، وبناء المناعة ضده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت