فهرس الكتاب

الصفحة 6438 من 27364

واليوم يعيدُ التاريخُ نفسَه من جديد، فلما تنكَّرَ العربُ لكتابِ ربهم، واستخفوا بسنةِ نبيهم، عاد العربُ أقزاماً لا وزنَ لهم ولا قيمة، وغدوا ذيولاً واتباعاً، بعد أن كانوا رؤساءَ وسادة، وغابَ تأثيرُهم في مُجريات الأمور، وتسلطَ عليهم أعداؤُهم من كلِّ جانب، ومارسوا عليهم وصايةً مهينة، وتدخلَ الكفارُ في أخصِ خصائِصهم، وأدقِّ شؤونهم، واستأسدتْ عصابةٌ من اليهود، فاحتلت أرضَهم وبلادَهم، وأذاقتهم الذُلَّ والحسرة، وجرَّعتهم المرارةَ والغُصة، منذُ ما يربو على خمسين عاماً وإسرائيلُ توجهُ إلينا صفعاتٍ موجعة، حتى استمرأناها وألفناها، فتبلدت أحاسيسنا، ويبستْ جلودُنا، فما عادت تُؤثر فينا تلك الصفعات.

خمسونَ عاماً أُتخمَت سَنَواتُهَا ذلاً فما يغشى العيونُ رُقادُ

منذ ما يربو على خمسين عاماً وإسرائيل تدنسُ مقدسا تنِا، وتقتلُ إخواننَا، وتعبثُ بمشاعِرنا، وتسخرُ من أعصابِنا، دون أن نسمعَ غضبةً عمريه، أو وثبةً سعدية، أو زأرة أسدية لابن الوليد، أو صرخة عثمانية من عبد الحميد في وجهِ الخونةِ وناقضي العهود يوم قال: إن فلسطين أرضٌ أُخذت بالدماء ولا تباع بالذهب !! وفي الوقتِ الذي كُنَّا نُمنِّي فيه أنفسنَا بجهادٍ نحطِّمُ به عصاباتِ يهود، ونستعيدُ مجدَنا السليب، وعزنَا الفقيد، فإذا بهم يركضون خلفَ سلامٍ من سراب، ويخوضون مفاوضاتٍ مهينةٍ هزيلة، أملاً في عقدِ معاهدةٍ مع الذين احترفوا نقضَ العهود، وجُبلوا على الغدرِ والخيانة، فمعذرةً يا فلسطين ويا شعبَ فلسطين، ومعذرة يا محمد جمال، لقد رأيناك تحتمي خلف صخرةٍ من حقد يهود، ورصاص يهود، لقد آلمنا حقاً صُراخك واستغاثتك،

أحبابُنا إني أُغالبُ حسرةً مشبوبةً وعلى الأسى أتجلَّدُ

نظراتُ أعينِكم تعذبني فلا عيشي يطيب ولا جفوني ترقدُ

تجري دماءُ الأبرياءِ على الثرى نهراً وعالمَنُا المخدَّر يشهَدُ

والمسجد الأقصى يباع ويُشترى جهراً، وقُدسُ الفاتحين تُهوَّدُ

أوَّاه من نارٍ أَحسُّ بحرِّها لمَّا يُراقُ دَمٌ ويُهدَم مسجدُ

إني لأبصرِ وجهَ طفلٍ تائهٍ وسؤالَه الحيرانُ أين المُرشدُ؟

ماذا جنى هذا الصغيرُ أما هُنا رجلٌ إلى قولِ الحقيقةِ يُرشدُ؟

إني لأُبصرُ أمةَ الإسلامِ في لهوٍ تقومُ على الهوان وتقعُدُ

فأكاد أحلفُ أنَّ أمتنَا غدتْ بالذُّل في دَيَرِ الهوانِ تُعمِّد

وكأنَّها لم تَبْنِ صرحاً شامخاً ظلَّت به نحو المعالي تصعدُ

أيها المسلمون:

إلى متى هذا السكوت ؟ حتى متى الصمت المميت؟

ما ذلك الإعراضُ والصممُ الغريب؟ عن كل آهاتِ الثكالى والحيارى والنحيب؟ حتى متى هذا الصدود؟ وإلى متى هذا الركود؟!

وإلى متى عنَّا تشيحُ وجوهُكم يا مسلمون؟ أو ليس في الأقصى الأسير مذابحٌ للآمنين؟

يستنصرون؟

يستصرخون؟

فما لكم لا تسمعون؟

أو ليس فيكم من رشيد؟

أو ما ترون الحقدَ ينضحُ من يهود؟

قد دنسوا الأقصى وفي ساحاتهِ ذبحوا بنيهِ، لم يرحموا الطفلَ الصغيرَ، رموه بين يدي أبيه، حتى متى يا أمتي؟

وإلى متى؟

حتى تُقطعُ للعدا أشلاؤنا؟

حتى يُشردُ أهلنا أطفالنا؟

حتى متى؟

قولوا متى؟ حتى تعيث يهودُ في الأرض الفساد؟

حتى تُحالَ بلادُنا نهبا لأنذال العباد؟

حتى متى؟

حتى تُهدَّمَ قدسُنا؟

حتى يُقامُ الهيكلُ المزعومُ في مسرى الرسول؟

ويُقسَّمُ الأقصى المباركُ بين عُبَّادِ العجول؟

فأين أين المسلمون؟

أين الذين لربهم يتعبدون؟

أين الذين بدينهم يستمسكون؟

أين الأولى في الله هم يتناصرون؟

ما بالكم لا تسمعون؟

ما بالكم لا تنظرون؟

فأين، أين المسلمون؟

بل أين بعضُ المسلمين؟

بل أين أهلُ العلمِ منهم من بقايا الصالحين؟

ما بالكم لا تسمعون وتنظرون؟

فسلوا رحابَ القدسِ تتلوا من مجازرهم سنين، صبرا وشاتيلا وفي يا سين قد حصدوا المئين، حقداً وجاسوا في الديار مخربين؟

كم من عجوزٍ عاجزٍ لم يرحموه، كم من رضيعٍ يتموه، إن لم يكونوا مزقوه؟

كم من صغيرٍ من بقايا حقدهِم قد عوقوه، فإلى الله المشتكى، وإنَّا إليه لراجعون.

لقد تجاهلَ العربُ كتابَ ربهمِ، وهو يُعلنُ العداوةَ المستحكمة التي اختارها اليهود إزاء الذين آمنوا: (( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) ) (المائدة: 82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت