فهرس الكتاب

الصفحة 6498 من 27364

وهم يتساءلون ثانيًا: بل بشدة وعنف أن يتدخل الدين في الاقتصاد، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد، ويقولون: ما للدين والمعاملات الربوية؟! وما للدين والسياسة والحكم ؟! بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا تدخلت في الاقتصاد أفسدته، فلا يذهبنّ بنا الترفع كثيرًا عن أهل مدين في تلك الجاهلية الأولى، حين قالوا لنبي الله شعيب: أَصلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا [هود:87] .

والعالم اليوم في جاهلية أشد جهالة، ولكنها تدعي العلم والمعرفة والحضارة، وتتهم الذين يربطون بين العقيدة وسلوك الشخص في الحياة والمعاملات المادية، تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود، وبعد أن استهلكت هذه الألفاظ، أضافت الجاهلية اليوم وصفهم بالتطرف!! أليس هذا هو بعينه ما يريده رافعوا شعار:"الدين لله والوطن للجميع"من أدعياء الإسلام من العلمانيين، الذين أفسدوا البلاد والعباد؟ قاتلهم الله أنى يؤفكون.

أيها المسلمون، إن من عادة المنافقين من علمانيين وحداثيين وغيرهم من المنتسبين لهذا الدين، عدم الإنكار الصريح والواضح، وعدم إظهار العداء السافر للإسلام، وهم يتخذون سلاح التلبيس والتمويه للالتفاف حول المسلمين، لحين المعركة الفاصلة، حتى يفاجئوا المسلمين على حين غرة، من أجل ذلك يرفع هؤلاء الزنادقة من العلمانيين وأشباههم شعارات، يحاولون بها خداع أكبر عدد ممكن من المسلمين، وتهدئة قلوب القلة التي قد تفضحهم وتشوش عليهم وتكشفهم للناس، هؤلاء الذين يرفعون شعارات العلمانية، بينما يسعون بواقعهم العملي لاقتلاع الإسلام من جذوره ولكن رويدًا رويدًا، فهم يحرصون على كل طريق يوصل لوسائل الإعلام.

عباد الله، إن العلمانية التي ولدت وترعرعت في أحضان الجاهلية، لهي كفر بواح لا خفاء فيه ولا ريب ولا التباس، ولكن الخفاء والريب والالتباس، إنما يحدث عمدًا من دعاة العلمانية أنفسهم، لأنهم يعلمون أنه لا حياة ولا اهتداء بجاهليتهم في بلاد المسلمين إلا من خلال راياتهم الزائفة، التي تخفي حقيقة أمرهم وباطن دعوتهم عن المسلمين، وتلبس على العامة أمر دينهم وعقيدتهم، بل وتحقرهم ضد إخوانهم الصادقين الداعين بحقيقة هذا الصراع، المنبهين إلى خطرهم الداهم على الدين وأهله، ومن هؤلاء ـ عباد الله ـ يجب التوقي والحذر، وأن لا يغتر المسلمون بكونهم من بني جلدتهم ويتكلمون بلغتهم، فلقد جاء في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول ا صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (( نعم ) )فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (( نعم، وفيه دَخَن ) )، قلت: وما دَخَنه؟ قال: (( قوم يَسْتَنون بغير سنتي، ويَهْدُون بغير هديِي، تعرف منهم وتنكر ) )فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: (( نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها ) )فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: (( نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا... ) )الحديث. وفي لفظ لمسلم: (( وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جُثمان إنس ) )، ولقد صدق الله: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُم فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مّنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص:41، 42] .

نسأل الله أن يحفظ على المسلمين دينهم، وأن يكفيهم شر الأشرار، وكيد الفجار، وأن يرزقهم اليقظة من إفساد المفسدين ونفاق المنافقين، وأقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولعموم المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، r وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فيا أيها المسلمون، وللمستفهم أن يقول: كيف يكون بعض المسلمين دعاة على أبواب جهنم؟ فالجواب هو أنهم كذلك ببثهم الفساد والانحراف، وإشاعة الفاحشة في مثل صور فاتنة، أو مقالات تخدش الحياء، من خلال الصحافة مثلاً أو في مجال التعليم، بزرع المبادئ الهدامة بين الطلاب من خلال كوادر غير أمينة، أو من خلال منظري التطوير التعليمي في سائر البقاع، فيما يقدمونه من الحد والتقليص لما يقوي صبغة الله في نفوس الطلاب وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:138] ، أو التقليل من شأن العلوم الدينية، في مقابل الحرص الدؤوب على تكثيف ما عداها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت