فهرس الكتاب

الصفحة 6507 من 27364

إن هؤلاء الذين تأثروا بأفكارَ غريبةٍ شاذةٍ يظهرونَها بمظهرِ النصحِ يزعمونَ أن هذه البلادَ وما كَانَ عليه ملوكُهَا وعلماؤُها منذ قرونٍ من تحكيمٍ للشريعةِ في كلِّ الأمورِ تشددٌ ورجعيةٌ، فلا بدَّ أن تتخلى البلادُ عن مرجعيتِها العلميةِ لأنه لا قداسةَ عندَهم لأحدٍ، والدينُ كلأٌ مباحٌ للجميعِ؛ فلا فرقَ في الحوارِ والرأيِ عندَهم بين عالمٍ وجاهلٍ، ولا بينَ فضيلةٍ ورذيلةٍ، بلْ ولاَ بينَ ديانةٍ وزندقةٍ، فيجبُ أن تتخلى البلادُ عن محاكمِها وهيئاتهِا وحجابِ نسائِها ليتحققَ الإصلاحُ الذي يريدونَ. إنهم يسفّهونَ ويجهَلونَ ملوكَنا وعلماءَنا السابقينَ الذين وضعوا ثوابتَ هذه البلادِ المستمدةَ من الشريعةِ، وبعضُنا يرددُ عباراتِهم ببلاهةٍ فيسمونها بغيرِ اسمِها:"الإصلاحُ"، أي إصلاحٍ فيمن يهدمُ أسسَ المجتمعِ وثوابتَه وعقيدتَه؟!

إن حالَ هؤلاء الفويسقاتِ قد وصفَه شيخُنا العالمُ الربانيُ الصابرُ على جهادِهم صالحٌ الفوزان ـ حفظه اللهُ ـ في مقالٍ له بعنوانِ: (سيظهرُ الإسلامُ وتموتُ المبادئُ الهدامةُ) :"وقد سنحتْ الفرصةُ للمنافقينَ والذينَ في قلوبِهم مرضٌ بترديدِ مقالةِ الكفارِ باتهامِ الإسلامِ بالتطرفِ والإرهابِ، واتهامِ مصادرِه وعلمائِه بذلك، والمناداةِ بحريةِ المرأةِ ومساواتِها بالرجلِ، وخلعِها للحجابِ وتوليِها أعمالَ الرجالِ، ومناداتهم بإزالةِ الفوارقِ بينَ المسلمينَ والكفارِ باسمِ حريةِ الرأي وحريةِ الديانة، وعدم كره الآخرِ، وتركِ بابِ الولاءِ والبراءِ وحذفِه من الكتبِ والمقرراتِ الدراسيةِ، وعدمِ تكفيرِ من كفرَّه اللهُ ورسولُه ولو ارتكبَ نواقضَ الإسلامِ كلِّها، كلُّ ذلكَ تحتَ مبدأِ التسامحِ وحريةِ الرأيِ وقبولِ رأيِ الآخرِ. وكلُّ من خالفَ هذه المبادئ الخبيثةَ عندَهم والتزمَ بالإسلامِ وأصولِه وأحكامِه فهو متشددٌ ومتطرفٌ وتكفيريٌ، حتى تناولوا بهذه الاتهاماتِ أئمةَ الإسلامِ ومجدديِه كشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ وشيخِ الإسلامِ محمدِ بنِ عبدِ الوهاب حتى نادى بعضُهم بإعادةِ النظرِ في كتبِ العقيدةِ وإخلائِها من كلِ ما يتعارضُ مع مبادئِهم ورغباتِهم. ونقولُ لهؤلاءِ وهؤلاءِ ما قالَه اللهُ لهم: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:119] ، وسيبقى الإسلامُ وتموتُ المبادئ الهدامةُ وأهلُها، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62] "اهـ. حفظَ اللهُ شيخَنا وأطالَ في عمرِه غُصَّةً في حلوقِ المارقينَ والفاسدينَ.

عباد الله، إن هؤلاء الذين يفسدونَ ولا يصلحونَ ويهدمونَ ولا يبنونَ حالُهم كحالِ فرعونَ حينَ قالَ عنْ موسى عليه السلام: إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ. أذكر لكمْ مثالاً على صدقِ هذا الصورةِ الفرعونيةِ لهؤلاءِ الكتابِ في ردِ بعضِ السفهاءِ المتطاولينَ على شيخِنَا في هذا الأسبوعِ حين ادّعى أنه ومن كان على مذهبِه الإفساديِّ هم الذينَ وقفوا ضدَّ الإرهابِ، أرأيتمْ ـ عبادَ الله ـ كيفَ تَلبَسُ الثعالبُ ثيابَ الواعظينَا، لكنْ الشيخَ أفحَمه حينَ قال:"لو أنكم وقفتمْ عندَ حربِ الإرهابِ لشكرَنا لكم ذلك، لكنكم أفسدتم هذا بمهاجمتِكم للعلماءِ والقائمينَ على الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر وإنكارِكم لعقيدةِ الولاءِ والبراءِ في الإسلامِ، وغير ذلك مما في كتاباتِكم، فأنتم تبنونَ من جانبٍ وتهدمونَ من جانبٍ، وربما يكونُ عملُكم هذا أخطرُ من عملِ الإرهابيين"اهـ.

وإني أقول: صدق الشيخُ واللهِ، فهؤلاءِ الإرهابيونَ ردَّ اللهُ كيدَهم في نحورِهم، يقتلونَ ويفجّرونَ، ويا هولَ ما صنعوا، لكن بعدَها تجتمعُ الكلمةُ على حربِهم ثم يقطعُ اللهُ دابرَهم ويبقى البلدُ شامخًا بدينِه معتزًا بعلمائِهِ وولاةِ أمرِه كمَا حصلَ فِي فتنةِ الغُلاَةِ فِي عهدِ المؤسسِ رحمه اللهُ، أما الذين يبطنونَ ما لا يُظهرونَ وحالهُم كما قالَ تعالى: وإنْ يقُولُوا تسمَعْ لِقَوْلِهم فهم يحرّفونَ دينًا ويفسدونَ عقيدةً ويدمرونَ بلدًا ويغتالونَ أمةً، واللهُ يقول عن أمثالِهم: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ، ويقولُ عن نشاطِهم الذي يخططُ له قومٌ لا تعلمونَهم اللهُ يعلمُهم: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، يقول القرطبيُّ رحمه اللهُ في تفسيرِ الآية:"أي: الفتنةُ التي حملوكم عليها وراموا رجوعَكم بها إلى الكفرِ أشدُّ من القتلِ"اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت