فهرس الكتاب

الصفحة 6509 من 27364

ما كنَا نظنُ واللهِ أننا سنَرى في هذِه البلادِ التي قامتْ على المنهجِ السلفيِ واستمدتْ شرعيتَها السياسيةَ والتاريخيةَ منه مصداقَ ما أخبرَ به النبيُّ حينَ قالَ: (( سيأتي على الناسِ سنواتُ خداعاتُ، يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويكذَّبُ فيها الصادقُ، ويؤتمنُ فيها الخائنُ، ويخوَّنُ فيها الأمينُ، وينطقُ فيها الرويبضةُ ) )، قيل: وما الرويبضةُ؟ قال: (( الرجلُ التافهُ يتكلمُ في أمرِ العامةِ ) )، إي وربِّ السمواتِ والأرضِ، لقد خوّنّا العلماءَ الصادقينَ، وائتمَّنَّا الخونةَ لدينِهم ووطنِهم وولاةِ أمرِهم حينَما رضوا بأنفِسهِم أن يكونوا طابورًا خامسًا وأبواقًا مأجورةً لأعداءِ هذه البلادِ ودينِها، وأينَ؟ على صفحاتِ جرائِدِنا التي أصبحت في الآونة الأخيرة لا تنطلقُ من قريبٍ أو بعيدٍ من عقيدةِ هذا المجتمعِ المسلمِ، ولا تعبّرُ عن نبضِه في هذه البلادِ أو عن توجهاتِه، بل المجتمعُ في وادٍ وهؤلاءِ الشرذمةُ القليلون فِي وادِ آخر. أينَ العدلُ إن كانت المسألةُ بالرأي والحريةِ التي لها يقدسونَ؟! فلماذا تُفرضُ سفاهتُهم على رأي الأكثريةِ دونَ مراعاةٍ لمشاعرِهم؟! وإن كانتْ بالحقِ والدليلِ فما هؤلاء أهلُ حقٍ ودليلٍ، بل همْ رويبضةُ الفتنِ، الجهلُ شعارُهم والهوى دثارُهم.

أيها المسلمونَ، واللهِ وبالله وتالله لا خيرَ في بلادٍ يطعنُ في كبارِ علمائها الصادقينَ ويقودُهُا أراذلُها المارقون، سبحانَ اللهِ! أتستغفرُ الحيتانُ في البحرِ وكلُّ شيءٍ للعلماءِ وفي بلدِنا يسَبّونَ ويسفَّهونَ؟! أيرفعُ اللهُ قدرَهم درجاتٍ وفي بلادِنا يوضعونَ ويؤخرونَ؟! أيصبرُ العلماءُ من أجلِنا على العلمِ والتعليمِ حياتهَم وينافحونَ عن دينِنا وعقيدتِنا شبابهم حتى إذا شابتْ لحاهُم وتقوّستْ ظهورُهم أسلمنَاهم لنابتةِ السّوءِ ودعاةِ الضلالةِ يسفهونَهمْ ويحتقرونهم ملءَ أَبصارِنا وأسماعِنا ونحنُ ساكتونَ؟! إذًا لاَ خَيْرَ فينَا، إذًا لاَ خَيْرَ فيكم، إذًا لاَ خَيْرَ في هذا المجتمع.

إن العلماءَ الربانيينَ في الأمةِ نجومٌ تُزيّنُ سماءَها تهدي السالكينَ وتهوي على الشياطينِ، إنهم أنقى صفحاتِ تاريخِ هذِه الأمةِ، إنهم صمامُ الأمانِ أمامَ شبهاتِ المرجفينَ وزيغِ الضالينَ كما وصف الإمام أحمد في أول كتابه الرد على الزنادقة والجهمية حين قال:"الحمدُ للهِ الذي جعلَ في كلِ زمانِ فترةٍ من الرسلِ بقايا من أهلِ العلمِ يدعونَ من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرونَ منهم على الأذى، يحيونَ بكتابِ اللهِ الموتى، ويبصّرونَ بنورِ اللهِ أهلَ العمى، فكم من قتيلٍ لإبليسَ قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائهٍ قد هدوه، فما أحسن أثرَهم على الناسِ وأقبحَ أثرَ الناسِ عليهم، ينفونَ عن كتابِ اللهِ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ، الذين عقدوا ألويةَ البدعةِ، وأطلقوا عقالَ الفتنةِ، فهم مُختَلفونَ في الكتابِ، مُخالِفونَ للكتابِ، مجمعونَ على مفارقةِ الكتابِ، يقولونَ على اللهِ وفي اللهِ وفي كتابِ اللهِ بغيرِ علمٍ، يتكلمونَ بالمتشابه من الكلامِ ويخدعونَ جهالَ الناسِ بما يشبّهونَ عليهم، فنعوذُ باللهِ من فتنِ المضلينَ"اهـ.

نعم عباد الله، هكذا همُ العلماءُ، وهكذَا كانتْ مكانتُهم في هذه الدولةِ؛ مكانةٌ لا يطالها سفاهةُ السفهاءِ، ولا جهالةُ الجهلاءِ، تحوطهم عنايةُ الربِّ ثم تعظيمُ ولاةِ الأمورِ شأنَهم في النفوسِ وحفظُ حرمتِهم وكرامتِهم والصدورُ عن رأيهِم ونصحهِم، منذ اجتمعَ الإمامانِ محمدُ بنُ سعودٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الوهاب عليهما رحماتُ اللهِ المتتاليةِ إلى يومِ الدين، وحتى جاءَ مؤسسُ هذه البلادِ في العصرِ الحديثِ وباني نهضتِها قدَسَ اللهُ روحَه، فأكدَّ هذه المكانةَ في حياتِه كما هو مشهورٌ من سيرتِه، بل ها هو رحمه اللهُ يبينُ الأساسَ الذي قامَ عليه حكمُه وحكمُ آبائِه، والذي يجبُ أَن يكونَ عليه حكمُ أبنائِه منْ بعدِه حينَما أوصى وليَّ عهدِه حينَ تسميتِهِ فقالَ:"أوصيك بعلماءِ المسلمينَ خيرًا، احرصْ على توقيرِهم ومجالستِهم وأخذِ نصيحتِهم، واحرصْ على تعليمِ العلمِ؛ لأن الناسَ ليسوا بشيءٍ إلا باللهِ ثم بالعلمِ ومعرفةِ هذه العقيدةِ، احفظ اللهَ يحفظك".

فاللهمْ وفق ولاتنَا للعملِ بذلكِ، وأدمْ علينا نعمةَ اجتماعِ سيفٍ حملَه أمراؤُنا، وقرآنٍ حملَه عُلماءُنَا؛ لتجتمعَ القلوبُ على الحقِ والإيمانِ، فينخذل أهلُ العلمنةِ والليبرالية والإلحادِ كَما وقيتنَا بهمَا سبحانكَ فِي فتنةِ الإِخوانِ ثمَ فِي فتنةِ جهيمانِ ثم في فتنة صدامٍ ثم في فتنةِ الخوارجِ.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت